أريد حلا

|

ما زلت أتذكر بين فترة وأخرى الجملة الصاعقة التي قذف أستاذ الإدارة البحتة بها طلبة الدراسات العليا: "التخطيط عبء، والتخطيط تكلفة، وينبغي أن يستغرق أقل جزء من الوقت والتكلفة!" وقع الجملة الأول علي، كأحد الطلبة آنئذ، كان الاستهجان. ودخلنا جميعا مع أستاذنا الفذ في نقاش محتدم، لكنه دافع ببسالة عن وجهة نظره، قائلا، التنفيذ هو كل شيء، هو الذي سيجعل لخطتك قيمة، وأضاف نحن نخطط لننفذ، لا ننفذ كي نخطط. بمعنى أن التخطيط نشاط تمهيدي نحو تحقيق غاية، التي قد تكون تشييد بناء، أو تنفيذ مشروع تجاري، أو تمهيد شارع، أو تنظيم مؤتمر. وعند التمعن وجدت ألا فكاك مما قاله البروفيسور، فثمة مقولة متداولة، "إن الأمور بخواتيمها". وكلما تقدم بي العمر أدركت واقعية المقولة. إن التخطيط يرسم الحلم، والتنفيذ يحقق الحلم. ولا يبدو أن هناك كثير جدل حول وجاهة هذا التقسيم للمهام، بل إن أعباء التخطيط للمشاريع هي مصاريف عامة، وإن الإدارات المسؤولة عن التخطيط هي مراكز تكلفة وليست مراكز ربح، هذا محاسبيا. أما استراتيجيا، فالتخطيط دائما حرج الأهمية، لكن لا ينبغي له إلا أن يكون مرحلة عابرة تمهد للتنفيذ. وكما أن للتخطيط مهارات تتصل بالتخيل والإبداع والقدرة على المبادأة، كذلك فللتنفيذ ملكات ضرورية لا غنى عنها للمنفذ الحاذق، وهي التنفيذ الكفء، أي بأي تكلفة ووقت وجهد، وخليط مزدوج من القدرات: مرونة لمراوغة الصعوبات والمعوقات ومحدودية الموارد، الإصرار لتجاوزها بنجاح والتقدم نحو الهدف. ولا بد هنا من الاستدراك أن التخطيط ضروري حتى لتأدية أعمال ومهام حياتية سهلة، كترتيب جولة في نهاية الأسبوع للتسوق لمستلزمات المنزل، وذلك توفيرا للوقت وجمعا للمعلومات حول أفضل العروض، ومن يخطط قد يستغرق وقتا أطول وتكلفة أعلى. وهكذا، فالخطة الجيدة بمفردها لن تجلب المستلزمات للمنزل، ولكن شراء المستلزمات خبط عشواء سيكون أكثر تكلفة. ما يوصلنا للنقطة الأساس: إن تكلفة مشروع أنجز بناء على خطة جيدة أقل من تكلفة مشروع أنجز سبهللة، من هنا يصبح التخطيط ضرورة لا بد منها، تصور رحلة الانطلاق من خط البداية وصولا لخط النهاية، وهي رحلة خط سيرها ليس مستقيما، ستجد فيه التفافات وكثيرا من المباغتات. ولا يخلو الأمر من ضغوط لاتخاذ قرارات والتوفيق بين أهداف متعارضة. فضلا، عن أن الحيرة في ذروتها عندما تقف -كمتخذ قرار- وقبالتك خطط عدة لتنفيذ مشروع، في حين أن لسان حالك يقول، أريد حلا.

إنشرها