وقفة مع إدارة الدين العام

|


منذ فترة وجيزة سعدت بلقاء أحد مسؤولي مكتب إدارة الدين العام التابع لوزارة المالية، وفي اللقاء جرى حديث شيق في عدة محاور متعلقة بوظائف هذا المكتب وتحدياته وأهدافه المرجوة. وفي الحقيقة وجدت نفسي منبهرا بما تم إنجازه في تعزيز قدرة المملكة على الاقتراض محليا ودوليا والعمل الدؤوب على تطوير سوق فعالة لأدوات الدين الحكومية بشكليها الأولي والثانوي في وقت قصير نسبيا وبعدد من الكفاءات الوطنية ليس بالكبير إذا ما نظرنا إلى طبيعة وحجم المهام الموكلة إليهم. وخلال هذا اللقاء ازداد إيماني بأهمية هذه المبادرة الاستراتيجية التي تعنى بالدين العام ومصادر وسبل تمويله وتحقيق أهدافه المتعلقة بالمخاطر والتكلفة بشكل خاص وتوفير الوسائل المساعدة في سبيل دعم الاستدامة المالية وتحقيق أهداف "رؤية المملكة 2030" بشكل عام. ومن المنتظر أن تستمر المملكة كما هو معلن في آخر ميزانية وبشكل يتناقص تدريجيا في تمويل عجز الميزانية المتوقع عن طريق الاقتراض إضافة إلى السحب من الاحتياطي الموجود لدى مؤسسة النقد "ساما" وذلك وفقا لاستراتيجية التوازن المالي حتى عام 2023.
الجدير بالذكر أن الحكومة في إعلان ميزانية هذا العام وضعت سقفا للدين العام كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي عند 30 في المائة وهي بهذه النسبة ستبقى قابعة عند أدنى المعدلات للديون السيادية إذا ما قورنت بباقي دول مجموعة الـ20.
وللحديث عن إدارة الديون السيادية بشكل احترافي أهمية بالغة لأي بلد، فهي عامل أساسي في تفادي الأزمات الاقتصادية أو إحداثها في عديد من البلدان على مر التاريخ. وبالتالي نجد أحد أبرز إرشادات صندوق النقد الدولي للحكومات المصدرة للديون يحفز على تأطير وربط إدارة تلك الديون بمعطيات الاقتصاد الكلي الذي يسهم في ضمان استدامة مستوى ومعدل نمو الدين العام، وبناء قرارات الاقتراض بشكل متوافق مع المخاطر والخصائص المالية لتلك الاقتصادات كحال تدفقاتها النقدية على سبيل المثال. وفي السياق نفسه، نجد في بعض هذه الإرشادات توجها صريحا للحكومات حيال أخذ التدابير اللازمة في حسن إدارة بعض المخاطر الحساسة التي تخص مدد هذه الديون وإمكانية تذبذب العملة الأجنبية المقومة بها أو التغير في تركيبة أسعار الفائدة التي تم الإصدار على أساسها ومخاطر عدم الأخذ في الحسبان لبعض الالتزامات الطارئة والمشروطة التي قد تفعل بموجب بنود مقترنة بهذه الديون. ويتطرق صندوق النقد الدولي في دليل الإرشادات ذات الصلة إلى باقي الجوانب الأساسية في باب الحوكمة والتنسيق بين باقي القطاعات المصدرة في البلد نفسه والشفافية والمحاسبة وفي إدارة المخاطر السوقية المعرضة لها هذه الديون وغيرها من المبادئ التي إذا أهملت قد تؤدي إلى عواقب سلبية بالإمكان أن تؤثر في سياسة المالية لأي دولة في بلوغ أهدافها واستقرار اقتصادها بشكل عام.
وكي أجسد دور وأهمية الإدارة الفعالة للدين العام، تبادر إلى ذهني ما قرأته عن تجربة فريق مكتب إدارة الدين العام في اليونان ومديره الذي قدم نموذجا مميزا في إدارة مخاطر الديون السيادية. ففي ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة في اليونان خلال الأعوام الماضية وأمام أصعب الشروط التمويلية حينذاك استطاع المكتب التحكم في دفة الأمور والإسهام الجوهري في تمكين خطة الإنقاذ الاقتصادية للبلاد عن طريق عدة آليات منها تمديد مدد بعض الديون وتسوية البعض الآخر من الديون المستحقة ذات الأسعار العالية، وعن طريق اختيار الوقت المناسب للتحوط بواسطة عقود المبادلة Interest Rate Swaps لبعض الديون ذات الفوائد المتغيرة. ونتيجة لكل التدابير المتخذة في الأجلين القصير والمتوسط، شهدت اليونان انخفاضا إجماليا في مستوى الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2060 من 140 في المائة إلى 90 في المائة. وإذا نظرنا إلى حجم الديون وأسعار الفائدة التي تدفعها البلاد الآن، سنجد أن تكاليف ديون اليونان بالمعدل هي أقل من تكاليف عدد من الديون السيادية لاقتصادات حاصلة على أجدر تصنيف ائتماني وهو AAA. وليس بوسعي في هذا المقال سرد كل تفاصيل هذه التجربة المثيرة للاهتمام ولكن أترك للقراء الكرام المهتمين تقصي ذلك.

إنشرها