الترشيد والادخار .. في قاموس حياتنا

|


نحن الآن في مرحلة تحول وإعادة نظر في أسلوب حياتنا. لماذا لا يشمل ذلك تعليم أبنائنا طرق الترشيد والادخار لمقابلة متطلبات حياتهم التي تزداد يوما بعد يوم؟ فالأجهزة الإلكترونية وأنواع الترفيه القائمة التي ستدخل حياتهم تتطلب أن نعلم الجيل الجديد كيف يرشد إنفاقه، وكيف يدخر دون أن يقتّر على نفسه؟ وقبل أن ندخل في صلب الموضوع نعود إلى المعاجم لمعرفة المعنى اللغوي لكلمة ترشيد الإنفاق وهو: "اقتصد ولم يسرف في إنفاقه".. أما إن قلنا ترشيد الاستهلاك فمعنى ذلك توعية الناس بالاقتصاد في الإنفاق والاستهلاك، وهو ما نأمل أن توضع له الخطط والبرامج من جهات التعليم والإعلام. أما كلمة ادخار فتعني استثمار جزء من الدخل، كي يأتي بدخل إضافي، أو اقتطاع جزء من الدخل على سبيل التوفير والاحتياط.
وفي الواقع العملي نجد أن عديدا من كبار الأغنياء في بلادنا وفي العالم بدأ مشوارهم لتكوين الثروة منذ صغرهم، فلم ينشغل أي منهم باللعب وإنفاق ما يحصل عليه نتيجة عمل شاق يقوم به في شراء الحلوى والألعاب رغم قلة تكاليفها في زمانه. ومن أراد مزيدا من الأمثلة فليقرأ السيرة الذاتية لهؤلاء العصاميين، وليبدأ بسيرة الشيخ سليمان الراجحي -متعه الله بالصحة. وفي العالم الغربي لم يكن ذلك غريبا لأنهم يعلمون أبناءهم منذ الصغر هذا المنهج، وأذكر أنني سكنت مع عائلة بريطانية أثناء دراستي هناك وكان ابن هذه العائلة وعمره آنذاك عشر سنوات يخضع لامتحان عسير من والده ووالدته لمعرفة كيف ينفق مصروفه المدرسي، وكيف يدخر منه لإجازته التي سيقضيها مع عائلته في إسبانيا بعد سنتين أو ثلاث سنوات؟ وكان يخاطبه كرجل يتحمل المسؤولية ويستطيع تكوين ميزانية مناسبة لمدخراته، وألا يحصل على أي مبالغ دون بذل مجهود مقابل ذلك، ولذا فإن عملية دهان جدران البيت التي يقوم بها الأب والأم من حين إلى آخر يشارك فيها الصغير بأجر معلوم يقوم بإضافته إلى مدخراته. وكبر ذلك الطفل الصغير وحقق أعلى معدلات النجاح في وقت قياسي.
وأخيرا: ما أحوجنا إلى إدخال كلمتي ترشيد وادخار في قاموس حياتنا بعد أن أهملنا هذه المعاني الجميلة ولم نشعر بالنتائج السلبية لذلك في الماضي، لأن الترشيد تفرضه قلة ذات اليد والادخار لا يبقى له ما يستحق بعد تغطية الحاجات الضرورية. لكن الخلل ظهر جليا في عصر الطفرة والوفرة المالية، حيث نرى مظاهر الإسراف في كل جوانب حياتنا، وأصبح هو النهج المألوف وليس الاستثناء. حتى الذين لا يجدون الكثير يسرفون في رحلاتهم السياحية وفي حفلات أفراحهم مثلهم مثل الأغنياء تدفعهم المظاهر الكاذبة والتفاخر الزائف إلى تحميل أنفسهم ما لا يطيقون من الديون وربما مذلة السؤال. ويأتي الأمل الآن ونحن في مرحلة التحول أن تركز وزارة التعليم على تربية الجيل الجديد وترسيخ مفهوم الترشيد والادخار في عقولهم بأساليب تعليمية حديثة.

إنشرها