قراءة في رسالة من «مبادر» إلى هيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة

|


ضمن سلسلة مقالاتي عن المنشآت الصغيرة والمتوسطة، تباينت التعليقات والردود، وكنت أقول إنني لا أفضل أبدا الدعم الحكومي للنشاط الاقتصادي في القطاع الخاص، ولعل هذه نقطة الخلاف بيني وبين من يعارض وجهة نظري، ويرى أن الدعم ضرورة، وأن هناك نماذج ناجحة للدعم، ورغم ذلك فإنني أقول إن توجيه الدعم تنقصه الكفاءة، وهذا ليس اتهاما لأحد، بل هو نظرية كفاءة الأسواق. وقد ينتج عن تدخل الحكومة بعض الكفاءة في بعض الأوقات وبعض الأشخاص، ولكن النظرية تظل صحيحة على المدى الطويل، وكما أشرت سابقا إلى أن الدعم الحقيقي والمستمر يأتي من خلال النشاط الاقتصادي نفسه؛ حيث يتحمل المبادر نتائج مغامراته، ويكون على دراية كافية بالمسؤوليات والمنافسة وقوة الأسواق؛ لأن تلك هي الآليات الطبيعية الوحيدة المتوافرة لحسن تخصيص الموارد، وضبط الإنفاق، وأيضا الأهم كفاءة تشغيل الموارد. الدعم قد يُفقِد البعض هذه الميزة الطبيعية في أصحاب التجارة. والحل كما قلت أن تقوم الحكومة بإجبار المصارف على التمويل السهل، ويتم استخدام نماذج التسهيلات المصرفية لدعم المنشآت الصغيرة، خاصة أن أبرز أسباب فشل هذه المنشآت هو فقدان السيولة بعد مرحلة التأسيس.
هذا المقال لم يأت لتكرار ما قد أشرت إليه سابقا، ولكن كي أقدم إلى القارئ الكريم رسالة إلكترونية من أحد القراء الأعزاء، وفيها تتضح فكرة ومشكلة الدعم الحكومي للمنشآت الصغيرة؛ حيث أحيل هنا القارئ إلى تلك الرسالة كما هي: "لدي منشأة صغيرة، ولدي مشاريع مع الحكومة، ومع الأسف لم تدعمني المصارف، وكانت طلباتها تعجيزية، وتأخذ وقتا يقارب الشهرين من دون جدوى وبكل ملل، حتى إني طلبت منها التنازل عن المشروع بمجرد تمويلي، أو شراء المواد التي أحتاج إليها حتى تضمن حقوقها، ولكن لا حياة لمن تنادي، ما اضطرني إلى البحث عن المستثمرين "الجشعين"، الذين أخذوا 50 في المائة من أرباحي، وبوجود شيكات وسندات أوامر دفع، علما بأنني أعرف مستثمرين أجانب السبب الوحيد لبقائهم وجود السيولة والتسهيلات عن طريق بني جلدتهم المسيطرين على بعض الشركات، وكذلك مبدأ credit لمدة تتجاوز ستة أشهر".
هذا النص - كما جاء من أحد أصحاب المنشآت - يوضح بشكل جلي، أن مشكلة المنشآت الصغيرة هي السيولة، فلا تنقص المبادرين الشجاعة، وحسن الخبرة، والمقدرة الإدارية، والصبر، بل ينقصهم التدفق النقدي المستمر، وهو ما لا تقوم به المصارف، رغم أن هناك من يشارك باسم الاستثمار، ولكن برغبة جامحة في السيطرة على الأرباح والمنشأة والمبادرين، وهكذا تفشل وتضيع المؤسسات الصغيرة في بحر هؤلاء الذين مع الوقت يحققون تراكما رأس مالي خطيرا على توازن الثروة في الاقتصاد.
وعودا إلى مشكلة القارئ الكريم؛ حيث يرى - "مع بعض التصرف هنا" - أن هيئة المنشآت الصغيرة "منشآت" جهة إعلامية - مع الأسف - وموظفون لا يتجاوزون 150 شابا وشابة، وأقصى ما يدعمون به هو استرداد الرسوم الحكومية لأي جهة بعد 2016، والدعم الحقيقي الذي يحتاج إليه صاحب المنشأة الصغيرة هو الدعم المادي، عن طريق المصارف فقط، أو جهات تمويل حكومية، مثل بنك التسليف بشروط ميسرة وفق ضوابط سهلة المنال، وستكون هناك انطلاقة كبيرة لمجموعة من الشباب والشابات في ذلك، وكلي ثقة برجل واع هو وزير التجارة والاستثمار الدكتور ماجد القصبي، لو تبنى مثل هذه الأفكار". وهنا، أعتقد أن مقالي قد انتهى، والسلسلة وصلت إلى منتهاها، ولا حاجة إلى مزيد من التعليقات، لكن بقي هناك في الاقتصاد كثير من الشباب في انتظار التمويل، وهم مستعدون لتحمل قوة الأسواق والمنافسة، ويريدون فقط أن يتجنبوا جشع المستثمرين ومنتهزي الفرص.

إنشرها