كيف نتغلب على ضغوط العمل؟

|

ناقشت في سلسلة مقالات سابقة الثمن الباهظ الذي تتقاضاه ضغوط العمل من صحتنا، وتطرقت خلالها إلى المؤشرات التي تظهر على شكل أعراض في أجسادنا، تخبرنا أن هناك ما يهدد حياتنا، كما عرضت المراحل التي يمر بها الموظف حتى يضعف ويستسلم، وتتمكن منه الأمراض والعلل، إضافة إلى أكثر أنوع ضغوط العمل انتشارا.
وذكرت في مقال الأسبوع الماضي، أن أهم ضغوط العمل هي ساعات العمل الطويلة، التي تقابلها أجور متدنية، وقلة الحوافز أو انعدامها، خصوصا صعوبة الحصول على ترقية، أو عدم وجود نظام عادل للحوافز، وكذلك انعدام الأمان الوظيفي، وصعوبة التعامل مع أنماط الشخصيات المختلفة داخل المنظمة، وغموض الدور الوظيفي للموظف، والتغير المستمر في اللوائح والأنظمة والتقنيات والإجراءات والسياسات والأهداف.
إضافة إلى أن ظروف العمل وبيئته المادية تؤديان أيضا إلى إحداث ضغوط على الموظفين، مثل: الضوضاء، والحرارة الشديدة، والبرد الشديد، وهشاشة البنية التحتية للمنظمة أو عدم اكتمالها، كل هذه الأمور لها أثر بالغ في نفسيات الموظفين، خصوصا أنهم يقضون في أعمالهم ثلث اليوم تقريبا. بطبيعة الحال، البعض يحاول التكيف مع هذه الظروف، إلا أن نسبة كبيرة لا تستطيع تقبل مثل هذه البيئات التنظيمية.
وهناك ضغوط أخرى أقل أهمية، مثل: البعد عن مكان العمل، وعمل المناوبات، والتنمر، وإدمان العمل، الذي أفرز لاحقا نمطا جديدا من الموظفين يطلق عليهم "شهداء العمل". وقد تطرقت إلى موضوع شهداء العمل من قبل، وتأثير هذا النمط من الموظفين في البيئة التنظيمية والمجتمع كله؛ حيث يقوم "شهداء العمل" ببذل كل ما لديهم في أعمالهم على حساب عائلاتهم وأنفسهم، ما يسبب عدم توازن الأداء داخل المنظمة، ويتسبب في أمراض نفسية وجسدية للموظف؛ بسبب صعوبة الموازنة بين الأسرة والوظيفة، وقد يؤدي هذا إلى ضياع أفراد الأسرة ومن يعولهم الموظف.
وهناك مبادئ تساعد على التغلب على ضغوط العمل، وهناك أيضا طرق وآليات أصَّلها علماء النفس والسلوك التنظيمي، وجربها كثيرون وأفادوا منها، فأصبحت حياتهم الوظيفية شبه خالية من الضغوط. وسأُذَيِّل هذا المقال بالمبادئ، وأؤجل الطرق والآليات إلى مقالات لاحقة إن شاء الله. أول مبدأ يساعد على التغلب على ضغوط العمل، يتمثل في الاستبشار بالضغوط والمنغصات؛ حتى يقتنع العقل الباطن بزوالها وعدم بقائها. عندما تدهمك الضغوط والمشكلات، فلتعلم أنها لن تعمر طويلا، وهي مرحلة يعقبها الضياء والنور، وعليك أن تستبشر؛ لأن البؤس والشقاء يعقبهما السرور والهناء، وأي شدة يعقبها غالبا رخاء. وقد كان أحد الحكماء يستأنس بالمشكلات والمحن، ويظهر ذلك جليا على محياه، فيشرق وجهه، وتتجلى البسمة على شفتيه، وعندما يُسأل عن سر هذا التصرف المستغرب، يجيب بنشوة: "علمتني الحياة أن المحن والأزمات تعقبهما عادة المنح والمسرات".
المبدأ الثاني: عدم استعجال حل المشكلات والضغوط قبل أن تتضح وتُعرف جوانبها، وتتوافر معلومات عن نوعية هذه الضغوط. عندما تدهمنا المصاعب والضغوط، فإننا عادة ما نحاول تخفيفها باستعجال حلها، أو بالهروب من مواجهتها، أو بالتخفيف من آثارها بالتمارين والترفيه ونحوهما، أو أن نتخذ المنحى الخطير من ممارسة بعض العادات الضارة. الضغوط إذا لم نُدِرْهَا بفاعلية، فإنها قد تورثنا عادات ذميمة لم نعرفها من قبل. ذكر لي أحد المتدربين في إحدى الدورات الإدارية، وهو موظف كبير في شركة مرموقة، أنه عندما جاء دوره ليعرض لنا كيف واجه ضغوط العمل، قال: "في بداية حياتي الوظيفية دهمتني مشكلة في عملي كادت تفقدني صوابي، وكنت في معية صديق لي يدخن بشراهة، وأظن أن الدخان يدخل جوفه أكثر من الغذاء والماء. وفي قمة يأسي، طلبت الإذن منه لأستعير سيجارة من علبة سجائره الفاخرة؛ لأخفف وطأة ما بداخلي، وأنا أصلا لا أدخن؛ لأنني من بيئة ترى التدخين عادة مشينة، فقال لي: "إن مشكلتك هذه ستنتهي غدا، أو بعد غد أو بعد أسبوع، أما هذا الوباء -وأشار بإصبعه إلى السيجارة- فسيبقى معك طوال عمرك". هذه الجملة هي التي أعادت إليَّ توازني، وأخرجتني من الظلمات إلى النور، وظلت قاعدة أستخدمها في حل مشكلاتي رغم مرور أكثر من 20 عاما.
نستدل من هذه التجربة على أن ضغوط العمل قد تفقدنا الحكمة، فنرتكب حماقات ربما ندفع ثمنها طيلة حياتنا. فعندما تعتريك مشكلة ما في عملك، فاعلم أن هذه طبيعة التجمعات البشرية والعلاقات الوظيفية، وستأخذ وقتها ثم تنتهي، وعليك ألا تضعف فتلجأ إلى آفات العصر لحل مشكلاتك الوظيفية، فالضغوط والعقبات والمحن -كما قال المدخن الحكيم- ستنتهي، ولكن الآفات والسلوكيات الخاطئة ستبقى، ويجب عليك أن تفكر في طريقة فعالة تخفف بها ضغوط العمل دون أن تكون لها آثار مدمرة ترافقك طوال عمرك، وقد تستعجل نهايتك.
بقيت لنا طرق وآليات التخلص من ضغوط العمل؛ لنسيطر عليها قبل أن تتغلب علينا وتحطم حياتنا، لذا سأختزل كل ما ذكره علماء السلوك التنظيمي حول طرق التغلب على ضغوط العمل في عدة نقاط، أبينها في مقال لاحق إن شاء الله.

إنشرها