التجارة المستترة .. المخاطر أكبر وأشد

|


أكد البنك الدولي في آخر تقرير له عن الاقتصاد العالمي أن القطاع غير الرسمي يستأثر بنحو 70 في المائة من العمالة، و30 في المائة من إجمالي الناتج المحلي في الأسواق الناشئة والبلدان النامية، وأنه يرتبط بانخفاض الإنتاجية، وضعف الإيرادات الضريبية، وزيادة الفقر، وعدم المساواة، كما ربط التقرير بين هذا القطاع والفرص المفقودة. ويقع ضمن إطار القطاع غير الرسمي كلُّ نشاط لا يدخل تحت رقابة الحكومة، ولا يتم دفع الضرائب عنه، وقد تتم من خلاله ممارسات شديدة الضرر بالإنسان والبيئة والاقتصاد، سواء عن طريق الغش، أو السلع المقلدة الخطرة، فهو نشاط خارج الرقابة إلى حد ما، والبنك الدولي يحذر من أضرار هذا القطاع الذي يشمل التستر التجاري، ولهذا فإننا في حاجة إلى جهود كبيرة لمكافحة التستر والممارسات الضارة التي تتم من خلاله؛ للتغلب على الآثار السلبية لهذا القطاع غير الرسمي.
ووفقا لنظام مكافحة التستر، فإن كل مَن يمكّن غير السعودي من الاستثمار في أي نشاط محظور عليه الاستثمار فيه، أو ممارسة أي نشاط محظور عليه ممارسته، سواء كان ذلك عن طريق استعمال اسمه أو ترخيصه أو سجله التجاري أو بأي طريقة أخرى يعد متسترا. لقد بذلت المملكة جهودا كبيرة لمكافحة هذه الظاهرة، من خلال ما تقوم به وزارة التجارة من جهود، وقد أكدت الوزارة أنها نفذت أكثر من 21 ألف جولة تفتيشية على مختلف المنشآت التجارية في جميع مناطق المملكة، وبلغ عدد قضايا التستر المحالة إلى النيابة العامة 1195 قضية خلال عام 1439هـ، وتم تشكيل لجنة تنفيذية للبرنامج الوطني لمكافحة التستر، يعمل فيها أكثر من تسع جهات ذات علاقة، من بينها: "الداخلية"، و"الشؤون البلدية"، و"العمل"، وتمنح الحكومة مكافأة مالية للمُبلِّغ المتعاون مع الوزارة في بلاغات التستر التجاري، تصل إلى 30 في المائة من قيمة الغرامة المحكوم بها بعد تحصيلها. ورغم كل هذه الجهود وقوة النظام والتنفيذ، إلا أن هذه الظاهرة لم تُزَلْ، وهناك حاجة إلى تطوير أدوات جديدة لمكافحتها.
في هذا المسار التطويري، أكدت وزارة التجارة والاستثمار، أن هناك خطة تنفيذية للبرنامج الوطني لمكافحة التستر التجاري، تشمل مراجعة النظام، وتطبيق تجربة للحلول التقنية، وتطوير مواصفات المتاجر، إلى جانب إنشاء آلية للتمويل والحوافز؛ لتطوير تجارة المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وتجارة التجزئة، ودعم نظام الامتياز التجاري، وتحليل عميق للأنظمة في المملكة، خصوصا المتعلقة بملكية غير السعوديين. وهنا نلاحظ أن الخطة تركز على عدة قضايا مرتبطة بظاهرة التستر، فكثير من المواطنين يقعون ضحية التستر؛ لعدم توافر التمويل المناسب لهم، بينما يتمكن الأجنبي من توفير السيولة اللازمة، وهو ما يظهر للمواطن وكأنه فرصة للعمل بأقل المخاطر، بينما المخاطر المستترة أكبر وأشد، كما أن ظهور تحليل العلاقات والعقود، والأسباب التي تؤدي بالأجنبي إلى عدم الاستفادة من برامج تحفيز الاستثمار الأجنبي، وممارسة أعماله من خلال التستر، تحتاج إلى دراسة شمولية لفهم الوقائع الاقتصادية.
فالواقع الاقتصادي أثبت أن المكافحة، التي يقصد بها الرصد والرقابة والتفتيش، تأتي بنتائج محدودة، رغم كثافة العمل والحملات التي تقوم بها الوزارة، ولكن الدراسة الشمولية للموضوع -كما تشير إليها الخطة التنفيذية للبرنامج الوطني- تبشر بحلول أكثر فاعلية، ولهذا فإننا نتوقع مع انطلاق المبادرات، وبدء تطبيق الأنظمة الجديدة، مثل: نظام الامتياز التجاري، وتعزيز التمويل السهل للمنشآت الصغيرة، خاصة التي تعمل تحت نظام الامتياز التجاري - نتوقع أن تتراجع ظاهرة التستر التجاري بشكل كبير، وتنحسر أضرارها على المجتمع والاقتصاد بشكل جوهري في المستقبل القريب.

إنشرها