المشتقات المالية .. نظرة فنية

|


كثير منا يسمع بالمشتقات المالية ومع ذلك قد يجد صعوبة في فهم خصائصها ودورها في النظام المالي. ولكي يتسنى لنا التعامل مع هذه الأدوات المالية بالشكل الصحيح، علينا أولا مراجعة تلك الأصول الحقيقية محل التعاقد التي ترتبط بها هذه الأدوات ودراسة ماهية العلاقة التي تربط الأصل بالمشتق. وبطبيعة الحال تستمد هذه الأدوات قيمتها من أداء وأسعار هذا الأصل الأساس الذي هو عرضة للتذبذب. ولا تتطلب المشتقات المالية استثمارا مباشرا في الأصل محل التعاقد، بل ما يتم في الأغلب هو فقط تبادل للمدفوعات على أساس الأسعار أو العوائد، حيث تصبح عملية انتقال ملكية الأصل في كثير من الحالات غير لازمة. والمشتقات الأكثر شيوعا بالأسواق هي العقود الآجلة والعقود المستقبلية والخيارات والمقايضات، وهناك أدوات منبثقة من بعض هذه المشتقات الأساسية وهي أكثر تعقيدا مثل التزامات الدين المضمونة بالضمانات CDO’s ومقايضات العجز الائتماني CDS وغيرها. وفي الأساس، تستخدم المشتقات المالية لأداء ثلاثة أغراض رئيسة وهي: إدارة المخاطر والتحوط، والمضاربة البحتة للاستفادة من عامل الرفع المالي المتحقق، ولأغراض المراجحة بين الأسواق وإمكانية تحقيق عوائد خالية من المخاطرة.
وربما وجدت المشتقات المالية طريقها إلى وسائل الإعلام في العقدين الأخيرين، ومع ذلك فاستخدام هذه الأدوات يعود إلى فترة طويلة من الزمن. وفي اعتقاد المختصين يعود السبب في هذا إلى طبيعة البشر وعدم إعجابهم بفكرة الضبابية الاقتصادية، التي أدت إلى تطور هذه الأدوات أو هذه العقود المالية. وبالعودة إلى التاريخ نجد أن بداية الأمر كانت بسبب حاجة المزارعين إلى حماية أنفسهم من مقرضيهم في حال كان هناك شح في الأمطار، وبالتالي عدم كفاية المحاصيل، ما استدعاهم إلى الدخول في عقود مع أطراف أخرى تؤمن لهم التعويض اللازم عند حدوث هذا العارض غير المرغوب فيه. ولذلك نجد كثيرا من هذه الأدوات المالية متوافرة في الأساس في أسواق السلع الأساسية كالقمح والأرز والذرة وغيرها، وكذلك بعض السلع الأخرى مثل الذهب والنفط والمعادن. وعلى نطاق أوسع تشمل المشتقات المالية أيضا فئات وأوراقا مالية كالأسهم والسندات وأسعار الفائدة والعملات. ويتم تداول المشتقات المالية بطريقتين هما إما عن طريق البورصة المخصصة لذلك أو عن طريق التداولات الثنائية بمعزل عن البورصة أو ما يسمى Over-the-Counter. ما يميز التداول عن طريق البورصة كون المنتجات المتداولة فيها في الأغلب موحدة ويتم تداولها عن طريق منصات حقيقية أو إلكترونية وتوفر البورصة في العادة كخدمة للمشتركين والمتداولين التقارير والمعلومات عن أسعار المعاملات وأحجامها للكيانات المختلفة، وهي بذلك تهيئ للمتعاملين بيئة شفافة للتداول، كما هو حاصل في بورصات الأسهم على سبيل المثال. ومن أشهر البورصات العالمية في تداول المشتقات نجد CME Group التي حققت لقب أكبر منصة تداول من حيث الحجم في 2017 عند تحقيقها ما يقارب أربعة مليارات من العقود المتداولة وكذلك نجد Chicago Board Options Exchange وهي واحدة من أقدم البورصات في هذا المجال. وعلى الصعيد الآخر يتم تداول المشتقات في إطار اتفاقيات ثنائية خارج نطاق البورصة وغالبا ما تكون عن طريق المصارف والمؤسسات المالية. ويتميز هذا النوع من التداول بتقديم منتجات خاصة تلائم الاحتياجات المحددة للأطراف المتعاقدة وتكون العقود المتداولة هنا في المعدل أطول أمدا من المنتجات المتوافرة عن طريق البورصة ويتصدر المشهد في هذه السوق عقود التحوط من معدلات الفائدة التي شكلت في دراسة تعود إلى عام 2013 ما يعادل 84 في المائة من التداولات تليها في الترتيب وبفارق كبير عقود صرف العملات ومن ثم عقود العجز الائتماني. ووفقا لمصادر عديدة، فإن حجم هذه السوق يبلغ عدة مرات حجم السوق المتداولة في البورصة. وعلى الرغم من ذلك تجدر الإشارة إلى عامل ضروري يمتاز به التداول عن طريق البورصة وهو توافر نظام فعال للمقاصة والمعاوضة لتفادي مخاطر التعثر الائتماني بين المتعاقدين مدعوما بإجراءات تلزم المتداولين بتوفير هامش أولي وهامش تغير يومي وفي حالات كثيرة غير متوافر بالكيفية نفسها في سوق التداولات الثنائية للمشتقات. ويرى كثير من المحللين أن غياب بعض هذه الإجراءات الضرورية في أسواق المشتقات الثنائية وحقيقة ارتباط أحداث التعثر الائتماني بعضها بعضا خلال الأزمات وأثرها حين ذاك في هذه السوق على أنها أحد أكبر العوامل المفاقمة للأزمة المالية العالمية في عام 2008. والحديث عن أنواع العقود يستلزم منا إدراك الفروق الجوهرية بين كل ما يندرج تحت مظلة عقود الخيارات من طرف وبين العقود الآجلة والمستقبلية من طرف آخر. فالفرق بينهما كبير وعلاقتهما بالأصل محل التعاقد مختلفة. فالخيارات مثلا تتطلب دفع علاوة من أجل تأمين المخاطرة وأما العقود المستقبلية فلا تتطلب ذلك. والخيارات من تسميتها تعطي صاحبها الحق وليس الالتزام في الاستخدام على عكس العقود الآجلة والمستقبلية. إضافة إلى ذلك، تتسم العلاقة بين الأصل والمشتق في العقود المستقبلية والآجلة بأنها علاقة خطية فأي تغيير معين في الأصل سيؤدي دائما إلى تغيير مماثل في المشتق، وفي الخيارات على سبيل المثال تكون هذه العلاقة متفاوتة. وما هذه إلا نبذة مختصرة للتباين الحاصل في خصائص بعض المشتقات المالية.
وفي الختام، أود أن أؤكد العواقب الخطيرة التي قد تنشأ من المضاربة غير المدروسة في هذه الأدوات، وذلك بالدرجة الأولى ناتج عن الرافعة المالية التي قد تمنح المضارب مكاسب أو خسائر ضخمة كنسبة مئوية من رأس المال، ما قد يؤدي في النهاية إلى خسارة رأس المال المخصص في غضون ثوان معدودة.

إنشرها