الجامعات العربية والنشر العلمي

|


بودي أن أقدم تعريفا مبسطا وموجزا للنشر العلمي قبل الولوج في موضوع خطير وشائك يخص البحث العلمي من قبل الجامعات في البلدان العربية مقارنة بجامعة غربية واحدة.
وهنا لن أقحم نفسي في المعايير الأكاديمية التي يجب أن يلتزم بها أي باحث. السرد هنا يخص النشر العلمي والأكاديمي، الذي من مقوماته أن يكون منشورا في مجلة علمية أكاديمية رصينة.
والرصانة العلمية تعني أن الناشر له باع طويلة في النشر الأكاديمي، وأن النشر ذاته يقوده أكاديميون وعلماء يضعون نصب أعينهم معايير التحكيم العلمي السليم قبل البت في طبع مادة ما.
إذن؛ وجود ناشر أكاديمي، إضافة إلى هيئة تحرير أكاديمية شرطان مهمان للبحث العلمي. لن تقبل دار نشر أكاديمية رصينة التعامل مع أي مادة، أيا كان كاتبها، ما لم يتم وضعها تحت مشرحة التحكيم الأكاديمي الدقيق، الذي يعتمد السرية المطبقة، وكما أنها لن تقبل التعامل مع مجلة لا تلتزم بهذه المعايير، ومن ثم إن حدث أن أصدرت جامعة مجلة أكاديمية أو كان لها دار نشر، فإنها تضعها خارج نطاق إدارتها وتأثيرها، وتمنحها استقلالا تاما، وتدار من دون تدخل مباشر أو غيره من قبلها.
البحث العلمي في الجامعات العربية أو البلدان العربية بصورة عامة يمر بمرحلة عصيبة. وشخصيا، توصلت إلى هذه النتيجة بعد العمل والتواصل مع أكثر من جامعة عربية.
من الصعوبة بمكان معرفة أن الكتاب الذي نقرأه أو حتى نستخدمه منهجا دراسيا قد جرى طبعه من قبل دار نشر أكاديمية معتمدة، والسبب واضح. ليس هناك - حسب معرفتي - دليل معتمد للناشرين الأكاديميين في الجامعات العربية.
وهذا يعني أن المتناول من الأبحاث في اللغة العربية، حتى تلك التي تقع في خانة المناهج الدراسية، قد لا يعتد به علميا وأكاديميا؛ لأننا ببساطة لا نعلم إن كان الناشر يقع في خانة الأكاديمية الرصينة أم لا.
حتى إن كان المؤلف أستاذا جامعيا يحمل أعلى الألقاب الأكاديمية، فإن هذا لن يشفع له، ولن يرفع من شأن كتابه أو بحثه إلى مصاف البحث العلمي الرصين إن لم يتم نشره في مطبعة أكاديمية رصينة تعتمد التحكيم العلمي الرصين.
عندما أهداني زميل أكاديمي لي يعمل في جامعة عربية كتابا يتألف من مجموعة من الفصول كتبها مؤلفون في جامعات عربية شتى، وناشدني قراءة الفصل الذي كتبه، طلبت منه أن يقول لي بصراحة إن كان الناشر قد طبق المعايير الأكاديمية الرصينة قبل طبع الكتاب. جوابه في الحقيقة صعقني؛ حيث قال إنه سلم الفصل الذي كتبه وتسلمه مطبوعا ضمن الكتاب.
هذا لا يحدث في أي جامعة غربية، ولن تقبل بهذا أي دار نشر أكاديمية غربية.
كتاب مثل هذا كان يجب أن يوضع تحت مشرحة التحكيم العلمي؛ أي أن ترسل فصوله إلى مختصين كلٌّ في حقله؛ لتمحيصه والبت في صلاحيته للنشر، مثلما قد يحتاج إليه كل مؤلف من مراجعة وتغيير وحذف وإضافة وإعادة كتابة قبل الطبع. وقد يكون القرار في كثير من الأحيان أن الفصل أو الكتاب برمته لا يصلح للنشر كمادة علمية أكاديمية معتمدة.
والتحكيم يجب أن يكون سريا؛ أي أن الحَكم لا يعرف من الكاتب، وما هويته، ومكان عمله، ولقبه، وجنسه، وميوله.
لا علم لي بعدد المجلات العربية التي تقع في خانة العلمية والأكاديمية الرصينة، ولكن أغلبها - إن لم يكن كلها تقريبا - يفتقر إلى الفهرسة كما هو شأن المجلات باللغة الإنجليزية مثلا، ولا أعلم إن كان هناك لأي من هذه المجلات عامل التأثير. الفهرسة وعامل التأثير معياران لا بد منهما لمعرفة مكانة المجلة في سلم المعرفة.
وأيضا لا علم لي إن كان للأبحاث والمقالات التي تنشرها المجلات بالعربية أي نتائج أو آثار في المجتمع من حيث الاستفادة في الإنشاء والإبداع في شتى مناحي الحياة.
بعض الجامعات العربية لها مكانة لا بأس بها في النشر العلمي باللغة الإنجليزية، ولكن أغلب الظن أن هذا النشر يتم من قبل أساتذة تمت إعارتهم فترات محددة، ومن النادر أن يكون لإنتاجهم العلمي أي تطبيقات عملية في الأوطان العربية.
العلاقة بين الصناعة والزراعة والنشاطات في أغلب مضامير الحياة من جهة، والجامعات من جهة أخرى، هي في مستويات متدنية في البلدان العربية.
ولهذا لم ينتابني العجب عند قراءتي مقالا للدكتور سعيد يقطين الناقد والباحث المغربي، وهو يتأسف على حالة البحث العلمي في الأقطار العربية. حسب قوله، لا يكاد يساوي عدد المجلات العلمية "ما يصدر في أصغر بلد أوروبي"، وأن المجلات الأكاديمية العربية "لا تصل كلها إلى المستوى العلمي الذي يتحقق في منشورات أكاديمية لجامعة غربية واحدة".

إنشرها