بريطانيا في فوضى

|

لا تزال بريطانيا تعيش فوضى سياسية بسبب مسألة خروجها من الاتحاد الأوروبي، ولا يبدو أن هذه الفوضى ستنتهي قريبا، علما بأن الموعد النهائي للخروج يحل في غضون أقل من ثلاثة أشهر. الحكومة فشلت في الحصول على موافقة مجلس العموم "البرلمان" حول خطتها الخاصة بالانسحاب، وكانت نتيجة التصويت تاريخية، لأن عدد النواب الذين صوتوا ضد الخطة تجاوز أعدادهم في كل مشاريع القرار التي قدمت لهذا المجلس منذ إنشائه. في حين لم تقدم رئيسة الوزراء تيريزا ماي؛ أي مشروع بديل، معتبرة خطتها هي الأفضل والوحيدة في آن معا. هذا الفارق الهائل في التصويت دفع جيرمي كوربين؛ زعيم المعارضة، إلى طرح مشروع قرار لحجب الثقة عن الحكومة. ورغم أن المؤشرات تدل على أن هذا التصويت سيصب في مصلحة الحكومة، إلا أن التوتر والخلافات حتى الملاسنات ستبقى سائدة في الساحة البريطانية.
التصويت برفض خطة الانسحاب من الاتحاد، ضرب السوق البريطانية، كما كان متوقعا. فالمشكلة التي تواجهها هذه السوق، أن استراتيجية الخروج من الاتحاد ليست واضحة؛ بل تهدد مستقبل الأداء العام لها، خصوصا مع عدم وجود اقتراحات بديلة للخطة، فضلا عن أنها "أي الخطة" تعد نهائية بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي، الذي أعلن عشرات المرات أنه لن يتفاوض مرة أخرى حول الانسحاب، وأن الخطة التي رفضها نواب بريطانيا هي الوحيدة التي يمكن أن يقدمها. والحق، أن تصويت مجلس العموم شجع الجميع "المؤيدين للخروج والمعارضين له" على طرح ما يعتقدون أنها البدائل الأفضل، غير أنها في النهاية لا تساوي شيئا أمام إصرار الحكومة على الخطة التي قدمتها، وإن وعدت بمعاودة الاتصالات مع الاتحاد الأوروبي للحصول على تطمينات.
والتطمينات هنا مرفوضة أصلا من المعسكرين المشار إليهما؛ ما يجعل مهمة الحكومة أكثر صعوبة، بعد أن وضعها مجلس العموم في المسار المسدود تماما. مع ضرورة التأكيد على أن تيريزا ماي؛ تعاني كتلة كبيرة في حزبها ترفض خطتها، وتطالب بالخروج من الاتحاد الأوروبي حتى دون أي اتفاق. غير أن هذا الطرح مخيف جدا لبقية الأطراف السياسية الأخرى، لأنها لا تتصور خروجا بلا اتفاق سينعكس بشكل خطير على مستقبل المملكة المتحدة كلها. كما أن الطروحات الأخرى، مثل اتفاق على شاكلة ما هو قائم بين الاتحاد الأوروبي والنرويج، أو ما هو معمول به بين الاتحاد وكندا، حتى بين ما يجعل الاتحاد بتركيا، لا تلقى تأييدا كافيا من النواب، لأسباب تتعلق بتفاصيل مثل هذه العلاقات.
الأرجح، ستنجو تيريزا ماي في التصويت على الثقة بحكومتها، بعدما نجت العام الماضي في التصويت على الثقة بها شخصيا. لكن المشكلة تبقى كما هي، لا خطط مطروحة على الساحة، والموقف الأوروبي واضح في مسألة عدم إعادة التفاوض حول أي شيء، ناهيك عن المصيبة الإيرلندية التي تحولت من مسألة ثانوية إلى قضية محورية، لا أحد يعرف بالفعل كيف يمكن أن تحل. الخيارات المتاحة حاليا ليست كثيرة، لكنها أساسية، بما في ذلك إمكانية تمديد الفترة الفاصلة لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، رغم أن رئيسة الوزراء ترفضها بقوة أيضا، وتعتبرها فترة تضرب التزامها للذين صوتوا في استفتاء عام 2016 للخروج من الاتحاد الأوروبي. إنها مرحلة حساسة جدا في المملكة المتحدة، وربما هي الأكثر حساسية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية. 

إنشرها