أنواع ضغوط العمل الأكثر شيوعا

|

بينت القاعدة المعرفية لمصطلح "ضغوط العمل"، وماذا يقصد به في مقال الأسبوع الماضي كما تطرقت إلى نمط الشخصية المستعدة للتعرض لضغوط العمل، وفي هذا المقال، سأعرض أهم أنواع ضغوط العمل التي يواجهها أغلب موظفي الحكومة وقطاع الأعمال في أغلب البيئات التنظيمية، بغض النظر عن حجم المنظمة أو وضعها القانوني. وبما أنه لا توجد دراسات أو إحصاءات ترتب هذه الضغوط حسب الأهمية، فسأقوم باستعراضها حسب كثرة مناقشتها من قبل علماء الإدارة والسلوك التنظيمي. 
من أهم الضغوط التي تواجهها أغلب الموظفين في مقار أعمالهم ساعاتُ العمل الطويلة التي تقابلها أجور متدنية. تعتبر ساعات العمل الطويلة من أهم الضغوط التي تواجه القوى العاملة في كثير من البيئات التنظيمية، خصوصا إذا لم تقابلها أجور مكافئة. وهذا يقودنا إلى النوع الثاني الأكثر شيوعا، وهو صعوبة الحصول على ترقيات. قلة الحوافز أو انعدامها لهما أثر كبير، ويسببان ضغوطا مباشرة على نفسية وأداء العاملين، خصوصا صعوبة الحصول على ترقية، أو عدم وجود نظام عادل للحوافز. فمثل هذا لا يؤدي فقط إلى ضغوط وظيفية يشعر بها الموظف فحسب، بل يثير الحسد والحقد والغيرة بين الموظفين، وتتحول بيئة العمل من مكان للتعاون والبناء، إلى بيئة للمؤامرات والهدم، عندها تتكون الفئوية والتنظيمات غير الرسمية، ولا أريد أن أسهب في موضوع الترقيات، وعدم وجود نظام عادل للحوافز، فقد أشبعته نقاشا وتفصيلا في مقالات سابقة يمكن الرجوع إليها. 
النوع الثالث، انعدام الأمان الوظيفي، وأرى أن هذا النوع يعتبر أهم عامل، خصوصا في مجال قطاع الأعمال؛ حيث يقل أثره في مجال القطاع الحكومي. انعدام الأمان الوظيفي يؤرق حياة كثير من العاملين، ويسبب لهم كثيرا من المتاعب، وهذا بدوره يسبب في كثير من الأحيان فقدان الموظف ولاءه للمنظمة التي يعمل فيها، كما يؤدي إلى أن يظل في دوامة من التفكير، تفقده التركيز في عمله، فلا يدري هل سيُجدَّد له العقد، ويبقى موظفا، أم إن شبح البطالة يتربص به في الخارج، خصوصا إذا كان الموظف يعول أسرة وله ذرية. 
النوع الرابع، من الضغوط التي يواجهها الموظفون صعوبة التعامل مع أنماط الشخصيات المختلفة داخل المنظمة. بيئة العمل تتطلب منا التعامل مع سلوكيات مختلفة، وأنماط متباينة من الشخصيات بعضهم متفهم، ويأخذ ويعطي، ويتحمل ويظن الحسن، بل يؤمن بأن الاختلافات والهفوات قد تحدث في بيئة العمل الداخلية، ولكن هناك أنماط شخصيات عتيدة قاسية عنيفة صعبة المراس، تصطنع المشكلات، وتوقد العداوات، وتنمي الصراعات، وترى هلاكها في الاستقرار والهدوء، وهذا ليس نمطا واحدا، بل عدة أنماط مختلفة، يطلق عليهم في أدبيات السلوك التنظيمي شواذ العاملين، وهذا موضوع متشعب لعلنا نناقشه في مناسبة مقبلة إن شاء الله. 
النوع الخامس، من ضغوط العمل الأكثر شيوعا غموض الدور الوظيفي للموظف. غموض الدور الوظيفي يعتبر ميزة لذلك النوع من القياديين والموظفين الذين يجيدون اللعب في المنطقة الرمادية، فيستفيد من غموض أدوار الموظفين، لعله يسرق مجهود غيره، أو يظهر على أكتاف بعض زملائه. أما الموظفون الجادون والمنضبطون، فلا يحتملون هذه الفوضى؛ لأنها تسبب لهم ضغوطا عالية، ويخشون من سرقة مجهودهم من قبل الموظفين المتمردين على قيم وأعراف المنظمة. بطبيعة الحال، يمكن التغلب على هذا النوع من الضغوط عن طريق التوصيف الوظيفي، الذي يبين ويوضح مسمى الوظائف، وموقعها في الهيكل التنظيمي، ومن تتبع، وخطوط السلطة، وجهات الاتصالات الصاعدة والهابطة، إضافة إلى وصف دقيق للمهمة التي يتعين على الموظف "كل موظف في المنظمة: أن يقوم بها، وأين تبدأ مهمته وأين تنتهي؛ حتى لا تكون هناك ازدواجية في الأداء. المعضلة أن أغلب القطاعات، ومنها قطاع الأعمال، تسير دون توصيف وظيفي يحدد عمل كل فرد في المنظمة من أعضاء مجلس الإدارة، مرورا بالمدير التنفيذي، فالإدارات الوسطى فالتنفيذية، حتى أبسط الوظائف يجب أن يكون لها توصيف وظيفي. وجود وصف وظيفي لا يقضي فقط على ضغوط العمل، بل يحمي الحقوق لجميع الموظفين، ويكون مستندا ليس تنظيميا فحسب، بل قانونيا أيضا. 
التغير المستمر في اللوائح والأنظمة والتقنيات والإجراءات والسياسات والأهداف يؤدي إلى ضغوط العمل. هذا التغيير المستمر وغير المنضبط في البيئة التنظيمية له أثر بالغ في سلوك ونفسيات الموظفين وأدائهم. مثل هذه التغيرات المفاجئة والسريعة والمستمرة تفقد الموظف الإحساس بمتعة العمل، بل تنطبع في ذهنه، وتحكم على متخذي القرارات الاستراتيجية في منظمته بالتخبط، وعدم وضوح الرؤية، وعدم وجود رسالة؛ لهذا نرى بعضهم يتوقف كليا عن العمل، أو يتباطأ في أداء مهامه؛ ترقبا لتغيير مقبل. بطبيعة الحال، التغير في البيئة التنظيمية مهم، ولكن ليس في فترات متقاربة، ولا يكون بطرق غير مدروسة أو بعشوائية. 
هذه هي أهم أسباب ضغوط العمل التي تحدث عادة في منظمات الأعمال والمنظمات الحكومية، وهناك ضغوط أخرى أقل أهمية، مثل: البعد عن مكان العمل، وعمل المناوبات، والتنمر، وإدمان العمل، الذي أفرز ما يسمى شهداء العمل. 

إنشرها