الصين والبحث عن توازن اقتصاديات السوق «2 من 3»

|

في أواخر سبعينيات القرن الـ 20، ظهرت بوادر حركات لتحويل الخدمات الاجتماعية من مؤسسات الدولة إلى الحكومات المحلية، وتأسس نظام ضمان اجتماعي ضعيف، وإن لم تتم صياغة المبادئ التوجيهية لنظام متعدد الطبقات للتأمين الاجتماعي، والرعاية الاجتماعية، وبرنامج للمدخرات الفردية، إلى جانب مزايا أخرى، إلا في عام 1994، لكن هذه الخطوات لم تكن كافية للتخفيف عن المؤسسات المملوكة للدولة التي واجهت صعوبات متزايدة في تحمل تكاليف منافع الرعاية الاجتماعية.
وكتب بينكين لي، مدير البرنامج الصيني للسياسات الاجتماعية في جامعة نيو ساوث ويلز في مدينة سيدني، في دراسة عنوانها "تطورات دولة الرعاية في الصين منذ 1949" يقول "بدون الحصول على دعم من نظام ضمان اجتماعي ملائم، فإن مؤسسات القطاع العام التي تتحمل كل أعباء الرعاية ستواجه صعوبة في المنافسة داخل السوق".
واتُخذت إجراءات مثل إلغاء الإسكان الذي يوفره صاحب العمل من أجل تحسين القدرة التنافسية، وخُفف مزيد من أعباء المؤسسات في أواخر التسعينيات. وجاءت تأمينات البطالة، وبدلات غلاء المعيشة، وضمانات الحد الأدنى من الدخل لتحل محل الوظيفة مدى الحياة، بينما بدأ نظام أساسي لمعاشات التقاعد وأدخلت بعض أشكال تغطية الرعاية الصحية، غير أن معدل التغطية كان منخفضا في البداية.
ومضى التغيير بوتيرة سريعة مع استعدادات الصين للانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، وكان ذلك حدثا مهما في أواخر 2001، جذب استثمارات أجنبية هائلة وجعل الشركات الصينية تركز على أسواق التصدير. ومن أجل المنافسة مع "النمور" المجاورة وهي منطقة هونج كونج الصينية الإدارية الخاصة وسنغافورة وكوريا الجنوبية، كان على المؤسسات المملوكة للدولة في الصين أن تطبق مزيدا من الترشيد، وأدت سياسات الحكومة إلى الاستغناء عن عشرات الملايين من العمال.
حتى بالنسبة إلى من لا يزالون في القطاع الحكومي، وجد أن الإصلاحات قد غيرت علاقة الموظفين بالمؤسسات بشكل كبير. وفي سياق الجهود التي بذلت لتحسين الكفاءة، تحول العاملون إلى موظفين بعقود، وانخفضت بشكل كبير الالتزامات التي كانت تفرض على الشركات توفير مجموعة من برامج الرعاية مدى الحياة. وكانت إصلاحات نظم التقاعد تهدف إلى توفير شبكة أمان للعاملين مستقلة عن شركات الدولة.
وبحلول عام 2005، كان العاملون المتقاعدون في المناطق الحضرية يحصلون عادة على معاشين مختلفين، وفق ما ذكره هويون زو وآلان ووكر في دراستهما التي نشرت هذا العام بعنوان "إصلاح نظام التقاعد في الصين: من يحصل على أي معاش؟"، كان المعاش الأول يأتيهم من حساب فيه المساهمات المتراكمة من أصحاب العمل، وتتوقف مزاياه على متوسط أجور العاملين وراتب الموظف قبل التقاعد، وعدد سنوات المساهمة في النظام. وكان المعاش الثاني يأتي من حساب يحتفظ فيه بالمساهمات الفردية. 
وواجه واضعو البرامج في الصين مزيدا من التعقيدات، فالصناعات الجديدة المزدهرة في المدن الكبرى في الصين جذبت أعدادا هائلة من العاملين في المناطق الريفية الساعين إلى الحصول على وظائف بأجور أعلى. وغالبا ما كان أولئك المهاجرون يحتاجون إلى المأكل والمأوى والخدمات الاجتماعية، وأصبحت المناطق الريفية خاوية من السكان في سن العمل.
وحدث تحول زلزل أركان المنافع الاجتماعية في أواخر العقد الأول من الألفية الثانية استجابة للأزمة المالية العالمية. ونظرا إلى عدم انفتاح اقتصاد الصين تماما على العالم الخارجي، كان معزولا إلى حد ما عن أسوأ تبعات هبوط النشاط الاقتصادي. كذلك كان مركز المالية العامة أقوى في الصين، ما سمح لها بالشروع في تنفيذ برنامج تنشيط كبير، حفز النمو الاقتصادي المحلي والعالمي، وأدى إلى توفير نوع جديد من تغطية الرعاية الاجتماعية.
وزادت الاستثمارات لتوفير مزيد من المساكن بأسعار معقولة، وخضعت الضرائب للإصلاح فأصبحت أكثر تصاعدية، ووجه الإنفاق على الرعاية الصحية والتعليم والثقافة نحو المناطق الريفية، التي استفادت كذلك من الإنفاق على شبكات الطرق والسكك الحديدية والكهرباء.
ومع هذا، ظلت فجوة الدخل كما هي بين المناطق الحضرية والمناطق الريفية وبين المناطق الساحلية والمناطق الداخلية، أو حتى استمرت في الاتساع، وظل معامل جيني أعلى من 0.4 بشكل مزمن، حيث "صفر" يعكس المساواة التامة في توزيع الدخل، و"1" يعكس التركز الكامل للدخل.
وظلت هناك أجزاء كبيرة من شبكة الأمان الاجتماعية غائبة عن الساحة، فكثير من سكان الريف، وسكان الحضر المتعطلين عن العمل، والمهاجرين العاطلين لم تشملهم تغطية برامج معاشات التقاعد حتى عام 2009، وأجريت تعديلات أخرى في 2015 وسعت نطاق شمول التغطية في التحول من نموذج مؤسسات الدولة إلى نموذج الدولة والمجتمع، وفق ما ذكره هويون زو وآلان ووكر.
وذكر الكاتبان أنه نتيجة لذلك؛ أصبحت التغطية تشمل الآن معظم سكان الصين البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة، لكن التفاوت في النظام يؤدي إلى تفاقم حالات عدم المساواة في التوزيع. وكتبا يقولان "أولا، أعيد تشكيل جانب مهم من التقسيم الطبقي للمجتمع لينقسم إلى خمس طبقات مختلفة لنظام معاشات التقاعد. وثانيا، أدى نموذج التقاعد الجديد إلى تعزيز الرابط بين المنافع والمساهمات، ما يميز من هم أيسر حالا".
في الوقت نفسه، حققت الصين تحسنا كبيرا في تغطية نظام التأمين الصحي. وبدءا من 1998، أصبح هذا النظام يغطي العاملين في المناطق الحضرية في الشركات الحكومية والخاصة، وبحلول أواخر 2009، أضيف الطلاب والأطفال والمتعطلون عن العمل في المناطق الحضرية وسكان الريف.
ويقول دالي يانج، وهو أستاذ في العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، خلال مقابلة معه "منذ عشر سنوات، لم يكن في إمكان معظم سكان الصين الحصول على تأمين صحي، واليوم فإن نحو 96 في المائة منهم يشملهم نظام التأمين بطريقة أو بأخرى. ويمكنك دائما أن تقول إن المساهمة في تكاليف العلاج ربما كانت مرتفعة للغاية أو التغطية غير كاملة، لكنها في حقيقة الأمر كبيرة للغاية".
ورغم توسع شبكة الأمان الاجتماعية تحت حكم شي، تقول الحكومة "إن نحو 30 مليون نسمة ــ نحو 2 في المائة من السكان ــ يعيشون تحت خط الفقر، ويعرفون بأنهم من يكسبون ما يعادل نحو 95 سنتا في اليوم". وهذه الأرقام الرسمية تحجب نحو 500 مليون نسمة ممن يعيشون في مستوى يتجاوز خط الفقر بالكاد، أي يعيشون على أقل من 5.5 دولار يوميا، وفق تقديرات البنك الدولي... يتبع.

إنشرها