أداء الوزير في الميزان

|

ما إن يتم تكليف أي وزير بمهام ومسؤوليات إحدى الوزارات، يبدأ عمله مدفوعا من الثقة السامية في شخصه ومؤهلاته وخبراته، ومتحفزا للوفاء ولتلبية احتياجات المجتمع من جهازه الحكومي الذي أصبح المسؤول الأول فيه، ومتأهبا إلى أعلى الدرجات للتعامل كما يجب مع التحديات التي يواجهها جهازه، والعمل على تسخير الموارد المالية والبشرية المتوافرة لديه لتخطي تلك التحديات، والوصول إلى الأهداف المنشودة من الجهاز الحكومي الذي يتولى مسؤولية قيادته، كل هذا حديثٌ معلوم ومعروف لدى الجميع، ولا جديد في شأنه.
إنما الأمر الذي يستحق التركيز عليه، يتعلق بالأداء الذي سيكون عليه هذا الوزير أو المسؤول، وكيف له أن يمضي قدما في الوفاء بالمسؤوليات الملقاة على كاهله قبل كاهل زملائه العاملين معه، وفي تحقيق الأهداف المحددة، عدا ما سيضيفه من مبادرات رائدة، تستهدف في مجملها تحقيق النقلة النوعية الحقيقية في أداء جهازه، التي يؤمل أن تأتي نتائجها الإيجابية في المصلحة العامة، إضافة إلى الجانب المهم على مستوى تكامل جهود وبرامج ذلك الجهاز، مع ما تقوم به بقية الأجهزة الحكومية الأخرى، والقطاع الخاص إن وجد مع شراكات.
سابقا، كانت مهمة متابعة ومراقبة ومراجعة أداء الأجهزة الحكومية أكثر صعوبة؛ نظرا لتدني البيانات والمعلومات اللازمة، ولعديد من الصعوبات الكأداء التي تعوق تقدم هذه المهمة اللازمة، إضافة إلى أنه حتى توافر نتائج مثل هذه المهمة كان ضمن أروقة العمل الرقابي الحكومي التقليدي، البعيد بدرجة كبيرة عن تسليط الأضواء إعلاميا ومجتمعيا، عدا ما كان يعتريه من تأخر زمني في الحصول على نتائجه الدقيقة، الذي كان قد يمتد عدة سنوات طويلة، فلا يُعلم بعدئذ أين يقف هذا الجهاز الحكومي والمسؤول الأول عنه من المسؤوليات والمهام الملقاة عليه، وماذا تحقق من أهداف أو لم يتحقق، وقد لا يزيل هذه الضبابية في التعرف على أداء أي من تلك الأجهزة الحكومية، إلا أن يلمس المستفيدون والمجتمع فعلا تدريجيا إيجابيات هذا الجهاز دون أي ضجيج، أو أن تحدث أخطاء مفاجئة تصعب السيطرة عليها من قبل ذلك الجهاز الحكومي، لتخرج آثارها الوخيمة إلى العموم، وتنتهي في الغالب إلى إعفاء الوزير أو المسؤول من منصبه، وبالطبع تعيين مسؤول آخر كأول إجراء لمعالجة أوجه القصور التي أدتْ إلى حدوث تلك الأخطاء.
اليوم، كل هذا طوته صفحات الماضي، وتحول إلى واقع آخر مختلف تماما عما كانت عليه الأوضاع طوال عقود مضت، خدم هذا التحول الجذري المهم جدا بعد الطموح الجاد والرغبة الفعلية للإرادة السياسية العليا، التقدم العلمي والتقني المذهل الذي أحدث طفرة هائلة جدا على مستوى وسائل وأدوات القيادة والإدارة والرقابة والمراجعة، ووجد اهتماما كبيرا من لدن القيادة، لتوظيفه بأقصى درجة ممكنة، في صلب العمل الحكومي بالكامل من رأس الهرم إلى أدنى مستوى إداري. ولم يقف الأمر عند هذا الحد من الشفافية العالية، بل امتد إلى سرعة التنفيذ والعمل، الذي مكن صانع القرار وفرق العمل الرقابية تحت إدارته، من الحصول في زمن أسرع على نتائج مؤشرات الأداء "ربع سنوية"، وتوظيفها من ثم في حيثيات أي إجراءات أو قرارات لازمة، ليتحول العمل الحكومي في أحد أهم وأبرز تطوراته، من التعامل المفاجئ مع أي أخطاء أو أوجه قصور محتملة كردة فعل، إلى التعامل الاستباقي والمبكر مع أي مخاطر أو أوجه قصور تكشفها مؤشرات الأداء، وأن يتم ذلك التعامل والمعالجة بطريقة أكثر مرونة وعقلانية وغير متسرعة، ستختلف بكل تأكيد ظروفها الزمنية والمكانية عن حالها وشكلها ووقعها مما لو كانت مجرد ردة فعل، تتسم بكونها أكثر هدوءا وأقل مخاطرة، مما لو كانت أقرب إلى كونها أزمة خارجة عن السيطرة.
نعم بكل تأكيد، يعد عمل الوزير أو المسؤول خلال العصر الراهن، أكثر صعوبة من زميله الذي سبقه خلال عقود مضت، ولا تقف الصعوبة عند ما تقدم الحديث عنه أعلاه فقط، بل تتسع لتشمل المستويات كافة. وما يعنينا في هذا المقال تحديدا، هو كل ما يرتبط بمتابعة ومراقبة ومراجعة الأداء، التي أخضعت كل وزراء العصر الراهن لشعوره المستمر والدائم بأنه في موقع تكليف، جسيم المهام والمسؤوليات، وقد يصل به ذلك الشعور إلى نسيانه تماما أي نوع من التشريف، وهو بكل تأكيد أحد حقوقه المشروعة، تشرفا بالثقة السامية في شخصه، وتشرفا بتوليه مهام ومسؤوليات سيؤديها بكل فخر تجاه قيادته ووطنه ومجتمعه، وتوثيق كل ذلك تاريخ بلاده قبل تاريخه الشخصي.
كما لا يقف ذلك التقييم لأداء الوزير أو المسؤول عند الفقرة السابقة أعلاه، بل يمتد في عصرنا الراهن المكتظ بالتطور المذهل لوسائل الإعلام ومختلف وسائل التواصل الاجتماعي، فلا تمر لحظة من الزمن إلا وتكون الأضواء مسلطة عليه وعلى أعمال وجهود الجهاز الذي يتولى قيادته. وهنا ستؤدي السمات الشخصية للوزير أو المسؤول دورا كبيرا في التعامل مع تلك التطورات المعاصرة، فإن كانت الثقة والقدرة على تقبل أوجه النقد والاختلاف عالية لديه، وجد أنه من السهولة تدريجيا التقدم وتخطي العوائق والتحديات، وإن كان على العكس، فسيجد أن طريقه سيأتي أكثر حملا لصعوبات أكبر، وقد يجد نفسه إن هو اصطدم معها دون حساب للمخاطر، في وضع بالغ التعقيد، كان بعيدا عنه لولا خطأ التعامل مع ردود الأفعال وأصوات النقد والاختلاف.
ختاما، المحك النهائي لأي وزير أو مسؤول، هو أداؤه المتميز، ونجاحه وقدرته على تجاوز التحديات، ووصوله بأقل التكاليف والمخاطر إلى الأهداف المنشودة من جهازه الحكومي الذي يتولى قيادته، وهذا وحده فقط بعد توفيق الله عز وجل الطريق الآمن الذي سيخلد اسمه كوزير ناجح ورجل دولة، وعدا ذلك فلا أقل من أن تطويه صفحات التاريخ. والله ولي التوفيق.

إنشرها