سياحة الإجازات وتنشيط الاقتصاد

|

خلال إجازة ما بين الفصلين، نقلت وسائل التواصل الاجتماعي أخبار حركة سفر السعوديين إلى دول الجوار، مدعمة بصور السيارات على المنافذ، خاصة البحرين والكويت، ما يلفت الأنظار إلى الأعداد الهائلة للسيارات المغادرة في طوابير الانتظار؛ لإنهاء الإجراءات الرسمية، مع ما تأخذه من وقت طويل تتبعه مشقة تفسد على السائح شيئا من المتعة التي سافر بحثا عنها؛ كسرا للروتين الذي مر به خلال الأشهر الماضية، إن كان طالبا، أو موظفا، أو في أي مهنة كان.
جميل هو السفر الهادف إلى زيارة الأقارب، أو حضور مناسبة، أو إنجاز مهمة، أو التعرف على الأوطان وما فيها من ذخائر ثقافية، تحتضنها المتاحف، وتذوق الأكلات الشعبية، واكتشاف البيئة الطبيعية من جزر وغابات وجبال وأنهار؛ إن كانت وجهة السفر مما توجد فيه هذه الأشياء، إلا أن دول الخليج تتشابه في كثير من الخصائص الجغرافية، خاصة الأجزاء الساحلية والثقافية، المتمثلة في اللباس، والمأكل، واللغة الواحدة، مع الاختلاف في بعض الملامح التنموية والترفيهية، من حيث التنوع والجودة، كنظافة المدن والنظام، والرقابة على المطاعم والمقاهي وأماكن السكن.
تذكر التقارير الإحصائية أن من دخلوا مملكة البحرين خلال الأيام الخمسة الأولى بلغ نصف مليون من السعودية، ما يعني أن حاجة الخروج والتغيير تحرك الناس بحثا عن متعة ما رغم المسافة والانتظار الطويل، وحيث كنت أحد الداخلين إلى مملكة البحرين، وجدت من الأهمية بمكان التوقف عند الرغبة الجامحة لدى السعوديين للخروج بهذه الأعداد الهائلة، وكذا تطلع هذه الدول إلى السعوديين كسائحين. لو أخذنا التسوق، يوجد في المملكة وفي كل مدنها عشرات الأسواق المركزية المليئة بالبضائع المستوردة من كل مكان، مثلها في هذا مثل دول الخليج، بل إن سعة ونظافة بعض الأسواق لدينا تفوق بكثير ما في بعض دول الجوار، وكذا المطاعم من حيث تنوعها وعددها، أعتقد جازما أن ما يوجد في الرياض أو جدة يفوق ما يوجد في دولة من الدول بكاملها. في السابق، كان السبب الذي يعتذر به البعض هو السينما، أما الآن فقد توافرت دور السينما، ما لا يجعل للباحثين عن مشاهدة الأفلام عذرا للسفر من أجل ذلك، أما الحدائق والمتنزهات فلا أعتقد أنها هدف للسائح السعودي؛ إذ لا يشاهد منهم إلا النزر البسيط في هذه الأماكن، وهذا ما يلاحظ في المتاحف، والمعالم التراثية، والمكتبات؛ إذ لا تزورها إلا أعداد قليلة من ذوي الاهتمام، أو الدارسين، وذوي المشاريع البحثية، وكل هذا يجعل من المفترض البحث عن السبب أو الأسباب الحقيقية لحالة الاندفاع إلى السفر الخارجي، الذي يشبه السيل الجارف.
خلال زيارتي التي استمرت يوما وليلة، استوقفتني بعض المواقف، أولها حوار مع موظفة الاستقبال في الفندق، حين أشرت إلى ارتفاع سعر الغرفة، فقالت وبصريح العبارة الإنجليزية "في إجازة السعوديين نرفع الأسعار، فكيف إذا اجتمعت إجازة، وتسلم راتب"؛ ما آلمني، حيث توقيت السفر مع تسلم الراتب، ولا يخفى أن بعض دول الخليج تجدول بعض فعالياتها مع إجازاتنا؛ لما للسائح السعودي من أثر في حركة الاقتصاد في جميع المجالات في السكن، والمطاعم، والمواصلات والأسواق.
مشهد طوابير السيارات السعودية، التي تمتد على مسافة نصف كيلو من أربعة مداخل لسوق الصين في المحرق، يلفت الانتباه، ما يطرح التساؤل على وزارة التجارة: ماذا يمنع افتتاح سوق الصين ليس في الرياض، بل في المدن الرئيسة؛ لنخفف على المواطنين عناء السفر، ونحفظ جزءا من المال في الوطن؟ وهل صحيح أن الأنظمة والإجراءات الإدارية أعاقت افتتاحه طوال هذه السنين؟
الموقف الثالث والأخير؛ عندما دخلت إحدى الأسواق رأيت تجمعا كبيرا معظمهم من السعوديين أمام أحد المطاعم، فساقتني رجلاي، إن لم يكن العقل الجمعي، ووقفت معهم، وسجلت اسمي انتظارا لدوري؛ للحصول على طاولة، وانتظرت ساعة حتى شغرت إحدى الطاولات، وبعد الوجبة تأكد لي أني وقعت ضحية التفكير الجمعي دون أن أسأل: ما مميزات المطعم؟ وهل يستحق الانتظار، أم أن مبدأ السلوك المتمثل في "مع الخيل يا شقرا" هو الذي قادني إلى المطعم وقاد مئات الآلاف لامتطاء السيارات والسفر؟
هل تدرس الوزارات والغرف التجارية والهيئات ذات العلاقة الموضوع دراسة موضوعية، نكشف من خلالها ما ينقص مدننا من مميزات جذب وإغراء للسائح السعودي، وبما لا يتعارض مع قيم وثقافة ومبادئ المجتمع؛ لتصرف الأموال الطائلة داخل الوطن؛ لتقوية الاقتصاد، والإسهام في تقليص البطالة؟

إنشرها