عام المواجهات الاقتصادية الكبرى

|

على الرغم من أن عام 2018 شهد نهاية تامة لآثار الأزمة الاقتصادية العالمية التي انفجرت في عام 2008، إلا أنه شهد أيضا معارك تجارية كبيرة، انعكست سلبا على الأسواق والحراك الاقتصادي العالمي، ناهيك عن الخلافات البيئية التي دبت بين الولايات المتحدة وأغلب بلدان العالم. وفي كل الأحوال كانت الأوضاع الاقتصادية ضبابية في 2018، بما في ذلك التراجع الخطير للأسهم الأمريكية في الفترة الأخيرة من العام، وكذلك اهتزاز الأسواق الغربية الأخرى، دون أن ننسى بالطبع الآثار التي يتركها الآن قرار بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، والخلافات الناجمة عن هذا الانسحاب من المملكة المتحدة على وجه الخصوص. بينما كان على العالم أن يفرح بانتهاء تداعيات أزمة 2008، وجد نفسه في سلسلة من الأزمات دبت حتى بين الحلفاء التاريخيين أنفسهم.
صندوق النقد والبنك الدوليان لم يتركا مناسبة إلا وحذرا فيها من السياسة الحمائية لعدد من البلدان الكبرى على الاقتصاد العالمي. وهذه السياسة كانت مستترة طوال سنوات، إلا أنه يتم اتباعها على المكشوف الآن. ولا شك أن السياسات الأمريكية التي اتبعها الرئيس دونالد ترمب أسهمت في تفعيل المعارك التجارية، لكن هناك أيضا ممارسات مشابهة تقوم بها الصين. والحق أن سياسة ترمب لم تكن مفاجئة. فالرجل أعلنها حتى قبل أن يصل إلى البيت الأبيض. فهو يريد أن يحمي الاقتصاد الأمريكي بطريقته وهي تلك التي تحمي التجارة، وتضع أعباء على الواردات القادمة من بلدان أخرى. ومن هنا فقد غير اتفاقية "نافتا" بين بلاده وكندا والمكسيك إلى اتفاق جديد، وواجه دولا أوروبية حليفة على الجبهة التجارية بما في ذلك ألمانيا وفرنسا وبريطانيا.
الذي حدث أن الجانب الآخر اتخذ إجراءات مماثلة ما وتّر الحراك الاقتصادي العالمي. وهذا الأخير يحتاج بالفعل إلى تفاهم، خصوصا بين البلدان الكبرى التي تؤثر في المشهد الاقتصادي العام. وبغير ذلك سيكون عام 2019 شبيها بالذي سبقه. والخوف الآن أنه لا توجد مؤشرات عملية على إمكانية التوصل إلى هذا التفاهم على الأقل في العامين المقبلين، لأن إدارة الرئيس ترمب ليست راغبة في المساومة أو التفاوض، فضلا عن تصلب بعض الأطراف العالمية الأخرى. لكن لا بد أيضا من الإشارة إلى أن المواجهات التجارية الراهنة لم ترق بعد إلى حرب تجارية شاملة، الأمر الذي أسهم بالفعل في رد المخاطر عن الاقتصاد العالمي، أو تأجيلها.
هناك أسباب كثيرة تجعل من عام 2018 عاما ليس جيدا كما يجب على الساحة الاقتصادية، ومن بينها عدم الاستقرار الناجم عن الخلافات المشار إليها، وهذا ما أثر بصورة سلبية عميقة في أداء الأسواق العالمية المؤثرة. فعلى صعيد البورصات، اتسمت -مثلا- بحساسية شديدة لأي شيء، حتى ولو كان بسيطا لا قيمة له. وهذا يؤكد مرة أخرى حقيقة أن عدم التفاهم العالمي حول قضايا اقتصادية محورية، يصنع عدم الاستقرار وينزع الثقة إذا كانت موجودة من السوق.
غير أن الأمر الرئيس يبقى كما هو، لا بد من التفاهم بين القوى الاقتصادية الكبرى، وحصر الخلافات التجارية في أضيق ساحة ممكنة، والبحث عن الطرق التي تؤدي إلى استدامة النمو الاقتصادي بما يحتاج إليه هذا العالم بالفعل. إنها مسؤولية الجميع، وأولهم الكبار.

إنشرها