كيف نوقف التفكير الملزم؟

|

بينت من قبل كيف أن منافع العقل وإنجازاته، التي حققها للبشرية على هذه الأرض مكنته من السيطرة على سلوكيات ومشاعر الناس دون علم منهم للمآسي التي سببها لهم وغير مدركين أنه هو سبب الكوارث والانتحار والحروب والمجاعات منذ الأزل، كما أنه سبب الانحراف المشين في مسيرة التفكير الجمعي للبشرية.
وقد بينت أول خطوات التحرر من عبودية العقل وهي إدراكنا ويقيننا أن سبب شقائنا وتعاستنا وأحزاننا هو العقل وبمجرد الإدراك والإيمان والاعتراف بهذه الحقيقة نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو التحرر من هيمنة عقولنا على أجسادنا، وسلوكياتنا، وأفكارنا. الخطوة الثانية للتحرر من عبودية عقولنا والتخلص مما يسببه لنا من أوهام وتصورات غير واقعية هي العيش في حدود اللحظة. علينا أن نتعلم كيف نعيش "اللحظة" أي نتعلم الحضور الشديد وملاحظات ما يدور حولنا في هذه اللحظة من أشياء مادية وغير مادية محسوسة وغير محسوسة، عليك أن تستعمل حواسك كلها من أجل أن تكون في المكان الذي أنت فيه فمن المستحيل أن تكون في مكانين مختلفين في وقت واحد، فالعقل يطير بك إلى مكان آخر مختلف عن المكان الذي أنت فيه، فيجرك عنوة إلى الماضي أو يدفعك إلى المستقبل. لكي تتفادى ذلك ينبغي عليك أن تعيش اللحظة التي أنت فيها الآن، انظر حواليك وحسب، لا تحلل، انظر إلى النور إلى الأشكال إلى الألوان إلى الأماكن بما فيها من فراغات، استمع إلى الأصوات وإلى السكون بين الضجيج، افعل ذلك بفكر المتأمل الشغوف لا نظرة المحلل المكتشف. لا يهم كيف أتت هذه الأشياء ولماذا أتت الذي يهمنا الانبهار بها وبجمالها وتكوينها والاستمتاع بها.
الخطوة الثالثة للتحرر من عبودية العقل هي الولوج داخل النفس. فبعد تحسس ومعرفة ما يدور حولك في هذه اللحظة تكون مستعدا إلى الولوج داخل النفس وتأمل ما بداخلك من أجهزة وأوردة وأعصاب ودورة دموية. في البداية راقب تنفسك واستنشق الهواء واشعر بطاقة الحياة داخل نفسك ثم تخيل كل عضو وهو يعمل من أجلك داخل نفسك وناده باسمه كأنه شخص بعينه فعمل كهذا ليس فقط يحضرك إلى واقعك، بل إنه يقوي جهازك المناعي ويشفي بعد الله من الأمراض.
ولا يقتصر الأمر على الأجزاء العضوية فحسب، بل على النفس أيضا التي بين ضلوعك التي تحس وتشعر وتتألم وتتأمل وتحب وتكره. ألم يخطر ببالك معجزة أنك تمتلك أجهزة مجانية داخل جسدك وتعمل لصالحك دون مجهود منك حتى وأنت نائم؟ لا تبحث في آليات العمل والطريقة، التي تؤدي بها كل هذه الأشياء بل فكر في روعة عملها، فكر في معجزة وجودك بهذا الخلق العجيب. فكر كيف تمشي على قدمين دون أن تسقط أرضا، فغالبية الكائنات التي نعيش معها في هذا الكوكب تسير على أربع أو تزحف، بينما نحن نسير على قدمين، بل ونعدو أيضا دون أن نسقط رغم أن مشيتنا على قدمين ضد قوانين الكون الذي نعيش فيه، أليس هذا بمعجزة غائبة عنا؟ وأريد أن أتوقف قليلا عند هذه النقطة فأقول إن مشيتنا بهذه الطريقة المختلفة عن بقية الكائنات تدل على أننا لسنا من سكان الأرض الأصليين، بل دخيلون عليها فموطننا الأصلي الجنة، ونحن دخيلون على هذا الكوكب.
الخطوة الرابعة في خداع العقل وسلبه قوته من أجل ألا يسيطر على حياتنا تتمثل في توقف التفكير الملزم. غالبية الناس اعتادت على التفكير وترى أن لا خلاص إلا بالتفكير المستمر فيقوم العقل بإيهام النفس أن لا خلاص من الوضع الحالي إلا بالمستقبل المشرق ويظل العقل يوهم النفس أن المستقبل أحلى وأجمل وسيأتي قريبا ومن مستقبل قريب إلى مستقبل بعيد ومن يوم إلى يوم ومن شهر إلى آخر ومن سنة إلى أخرى، وهكذا حتى يشيب الرأس ويضعف العظم، وينحني العود، عندها ينظر كل منا إلى السنين الخوالي وكأن رياح اكتسحتها اكتساحا. التفكير الملزم هو عذاب الأحياء يسلب ما بأيدينا من متع الحياة، بل يعذبنا كل يوم يطرق رؤوسنا في الغدو والآصال ولو أن النوم لا ينقذنا ولا يريحنا من سيطرة التفكير الملزم لهاج التفكير الجمعي للبشرية على هذا الكوكب واستحال العيش فيه.
علينا أن نتعلم كيف نوقف التفكير الملزم، فغالبية الأفكار التي تأتي من عقولنا مضرة، وليس لها فائدة فالأفكار النافعة عادة ما تأتينا ونحن في وضع الاسترخاء عندما يهمد العقل ويخف ضجيجه، أما عندما يهيج العقل فإنه يسيطر علينا ويحدث بلبلة وفوضى وهذا هو الضرر الذي يجب أن نصده وهذا هو التفكير الذي يجب أن نوقفه.

إنشرها