الإعلام وأسواق المال العربية

|


ربما يستغرب بعض القراء من وجود تشابه بين مجالين مختلفين كثيرا "الإعلام وأسواق المال العربية"، ولكن سيختفي الاستغراب ـ أيها القارئ الكريم ـ عندما تكتشف مدى التشابه الكبير فيما بينهما، خاصة مع البون الشاسع بين القيم النظرية التي تحكم عملهما من جهة، وطبيعة الممارسات العملية التي تحدث على أرض الواقع من جهة أخرى، فشتان بين التنظير والتطبيق في هذين المجالين، ويمكن إضافة مزيد من ملامح التشابه بينهما فيما يلي:
(1) أخلاقيات المهنة التي تحكم الممارسات الإعلامية الأمينة في أداء الرسالة الإعلامية في بعض المؤسسات الإعلامية العربية توجد في بطون كتب الإعلام وأضابير الأنظمة فقط، مثلما توجد أنظمة وقوانين عمل أسواق المال العربية بعيدا عن الممارسة والتطبيق، إلا من رحم ربي.
(2) بعض رجال الأعمال لهم عيون في مطابخ صنع القرار وصالات الأسهم في المصارف لضمان مصلحتهم وتضخيم استثماراتهم، وبعض السياسيين ـ كذلك ـ لهم عيونهم وعملاء في مطابخ صياغة الأخبار ورسم السياسات الإعلامية لتضخيم ذواتهم وزيادة سيطرتهم وتقوية نفوذهم.
(3) بعض وسائل الإعلام التي تدعي "المهنية" أو تحاول الظهور بذلك، هي مخترقة ـ تدري أو لا تدري ـ من قبل قوى تدس الرسائل الإعلامية المرغوبة وترسل المشاركين في البرامج الحوارية أو توجهها كيف شاءت تلك القوى، وكذا في أسواق المال وبعض مجالس إدارات الشركات المساهمة التي يستفاد من معلوماتها الداخلية insider information التي يفترض أن تكون سرية دون الكشف عن هذه الممارسات غير الأخلاقية من قبل الجهات الرقابية.
(4) تتدنى القناعة بأمانة الإعلام العربي في أداء عمله لدى معظم المتابعين ويجدون صعوبة في العثور على الحقيقة من خلال التنقل بين وسيلة وأخرى، وكذا الحال بالنسبة للمتداولين الذين يخسرون مدخراتهم نتيجة تلاعب بعض الشركات وعدم أمانتها في إعداد التقارير المالية أو بسبب تسريب بعض الأخبار المالية المهمة عن أنشطتها المستقبلية غير المعلنة أو "الإشاعات" الكاذبة، ونتيجة ذلك يجد المتداولون صعوبة في معرفة الحقيقة حول الاستثمار الآمن، فيتنقلون بين شركة وأخرى، ومن سوق لأخرى بحثا وراء الاستثمار الآمن.
(5) الإعلام قد يتأثر ـ بشكل مباشر أو غير مباشر ـ بقوى خارجية لتحقيق مصلحتها، وكذا الأسواق المالية تتأثر بقوى مالية خارجية كأسواق المال الأمريكية أو أسعار النفط أو الأحداث السياسية إلى جانب تأثير التكتلات أو مجموعة "الهوامير" ونحوها.
(6) هناك مستفيدون وضحايا من الممارسات غير الأخلاقية في مجال الإعلام على مستوى الأفراد والدول، وهناك مستفيدون وضحايا ـ أيضا ـ من الممارسات غير الأخلاقية في أسواق المال على مستوى الأفراد والشركات، بل الدول أحيانا.
(7) فئة من المتحدثين في بعض وسائل الإعلام العربية لا يتحدثون سوى بما ترغب في سماعه وسيلة الإعلام ومن يمولها، وكذا مجالس إدارات بعض الشركات المساهمة التي لا ترغب إلا في أعضاء يتجاوبون مع المؤسسين وأصحاب النفوذ بها ويوافقون على ما يريدون، بصرف النظر عن كفاءة هؤلاء الأعضاء، وعلاوة على ذلك يختارون ـ إن استطاعوا ـ مكاتب المحاسبة القانونية التي تجيد صياغة التقارير حسب أهوائهم.
(8) تتسم أسواق المال العربية بالتقلب من حال إلى حال دون إنذار وبخلاف التحليلات الفنية والأساسية الاقتصادية والنفسية، فيضرب المحللون أخماسا وأسداسا لمعرفة ما يجري، وكذا بعض الإعلاميين ووسائل الإعلام تتغير مواقفها، فتقول شيئا بالأمس ثم تقول ضده اليوم، وتحاول اللعب والاستخفاف بعقول المشاهدين والمستمعين والقراء.
(9) لا يمكن استبعاد شراء بعض الذمم في مجال الإعلام، وكذا في أسواق المال العربية ولكنه نادر الحدوث، كما أتمنى.
وأخيرا فإن إصلاح هذين القطاعين في الدول العربية في غاية الصعوبة، لأن ذلك يتطلب صلاح المجتمعات، مما يزيد من صعوبة رفع مستوى "المهنية" في أداء وسائل الإعلام وتعزيز تطبيق أنظمة "الحوكمة" وضبط ممارسات الأعمال في الشركات المساهمة بما يرضي المساهمين والمتداولين في أسواق المال العربية.

إنشرها