الوجه الجديد لميزانية التريليون

|
هناك كثير من السمات المميزة، التي باتت ترافق ميزانية الدولة عند خروجها. وفي صورتها الأخيرة، التي خرجت قبل أيام، واستمرارا للسنوات الأخيرة، رأينا ميزانية 2019 بتفاصيل جديدة، في تدشين واهتمام ملكي وبيان رسمي ونسخة مختصرة للمواطن من 24 صفحة معززة بالرسومات والتوضيحات وفعالية تعكس التفاصيل على مستوى الوزارات بتعليق ومباشرة أصحاب المعالي الوزراء والمسؤولين من أربع جلسات رئيسة وجلسة ختامية. يعزز هذا الشكل والحضور الجديد من الشفافية، ويسهل فهم بعض الجوانب الفنية، فمن يبحث عن اللغة البسيطة والواضحة سيجدها في نسخة المواطن، ومن يبحث عن انعكاسات أحد البنود سيجده في حديث المسؤول، ومن يريد التفاصيل فهي موجودة في البيان الأساسي. ولا يجب أن نقف عند حالة الإفصاح والعرض الحالية لميزانية الدولة السنوية للسنة الحالية فقط، وهي جيدة وتفوق التوقعات السابقة، إلا أن الملاحظ أن النمط التصاعدي في جودة التواصل والإيضاح مستمر من عام إلى آخر، وهذا ينبئ بتطورات إيجابية قادمة ومستمرة في ذلك، بإذن الله. وأما من ناحية الأرقام، فالميزانية لم تكن مفاجئة باعتبار أن البرامج التي تؤثر في مكوناتها معلنة ومعروفة وهناك كذلك تقارير أداء ربع سنوية للميزانية الحالية تخرج بشكل مستمر. والسمات الثلاث الأهم في نظري والتي تمثل الوجه الجديد لميزانية 2019 تتمثل في: البرامج الضريبية ودخولها كعنصر جديد ومؤثر، والنمو في الإنفاق، ما يعكس حالة توسعية إيجابية، واستمرار تمويل العجز بإصدار السندات. وصلت إيرادات الضرائب في ميزانية 2019 إلى 183 مليارا وتقدر توقعات 2018 بـ 166 مليارا في زيادة تصل إلى 17 في المائة عن الإيرادات الضريبية المخطط لها في ميزانية 2018 والبالغ 142 مليارا من إجمالي البرامج الضريبية، وهذا عائد إلى زيادة التحصيل عن المتوقع وفاعلية تنفيذ البرامج الضريبية الجديدة ومن أهمها ضرائب القيمة المضافة والسلع الانتقائية. وعلى الرغم من أن كل تدشين جديد ضريبي يعج بالملاحظات إلا أن تحقيق هذه البرامج لهذه الأرقام يعزز من قوتها ويفتح لها الطريق لمزيد من الحضور والتأثير في الموازنات القادمة. لا يتوقع من البرامج الضريبية نموها التصاعدي وإنما زيادة فاعليتها ودورها كأداة مؤثرة ومرنة في توجيه وتحفيز البرامج الاقتصادية المختلفة، إضافة إلى نموها مع النشاط الاقتصادي في تحقيقها إيرادات الدولة. وأما فيما يخص النمو في الإنفاق، فمن الواضح أن المشككين في البرامج والإصلاحات الاقتصادية سيرتبكون بعض الشيء. لا تعكس الميزانية خطوات توسعية استثنائية، ولكنها تؤكد أن ادعاءات الانكماش والتوتر لا أساس لها من الصحة، وأن الحالة الانتقالية الإيجابية "التحول" هي الثابتة، في نمو مستقر ومسيطر عليه، وفي تحكم أفضل في العوامل التي يمكن التحكم بها. على الرغم من تحقيق الفارق الرياضي نموا، وتجاوز الميزانية للتريليون ريال إنفاقا، إلا أن المستوى العام للإنفاق لا يراهن على اختلاف كبير جدا عن مستوى الإنفاق الفعلي في 2018، إذ يبلغ نمو الإنفاق معدل 7 في المائة، ولكن الاختلاف الفعلي هو التحول الديناميكي وتبادل مستويات الإنفاق بين القطاعات، إذا حظيت بعض القطاعات مثل الموارد الاقتصادية والنقل والتجهيزات الأساسية بنمو يقارب الـ 25 في المائة ونالت أخرى نزولا مغايرا، وكل هذا يرتبط بتحقيق أهداف كفاءة الإنفاق والإسراع من عملية التحول الاقتصادي. من المشاهد كذلك أن العجز المتوقع في ميزانية 2019 يصل إلى 131 مليارا، والمهم هو كيفية التعامل مع العجز. وهو ما تقوم به وزارة المالية ممثلة في إدارة الدين العام، الذي يقوم على تنويع الإصدارات بين محلية وخارجية بآجال مختلفة ومتنوعة بحثا عن أفضل الخيارات التي تعود بالنفع على ميزانية الدولة. ويقوم المكتب الذي تم تأسيسه عام 2015 بعديد من الخطوات والبرامج ويتوقع منه بعد إدارة علاقاته وخياراته على المدى المتوسط أن ينتهي بباقة من الحلول التمويلية وإدارة الالتزامات المالية الحكومية بشكل فعال يحقق أهداف الميزانية ويعكس أثر العجز بأفضل كفاءة.
إنشرها