الغموض في شخصية الأب شرط لبناء الكاريزما

|

ما زلنا في موضوع بناء "كاريزما" رب الأسرة، وكيف يستفيد من مراحل بناء "الكاريزما"، كشخصية تمارس العمل القيادي في مجموعة صغيرة. تكلمنا في المقال السابق عن خطوتين من خطوات بناء "الكاريزما"، الخطوة الأولى تتمثل في "التزام الأب بأهدافه" والخطوة الثانية "وضع أحلام عظيمة".
وفي هذا المقال سأناقش الخطوة الثالثة وهي "قم بواجبك كأب" والخطوة الرابعة وهي "إحاطة الأب نفسه بشيء من الغموض".
"قم بواجباتك كأب" يعني أن تقوم بما يجب عليك القيام به كممارسة فعالة كعمل قيادي وتربوي في وقت واحد، وهذا لن يتأتى إلا بالتدريب والتمرين. فالقيادة الأبوية تحتاج إلى تمرين وتدريب مثلها مثل أي عمل آخر، كممارسة الجمباز، أو القراءة السريعة، أو قيادة المركبة، أو أي عمل آخر.
الخطوة الرابعة هي "الغموض"، فشيء من الغموض يعتبر قوة أخرى لبناء "الكاريزما" عندما يحسن الأب توظيفها. ينبغي لكل من تولى عملا قياديا ومنهم رب الأسرة أن يعلم أنه ليس بالضرورة أن كل من يحيط به يجب أن يعرف جميع تصرفاته وسلوكياته، فهناك بعض الأعمال والمهارات والسلوكيات ينبغي أن تكون في طي الكتمان، وأن يحيطها الأب بسرية تامة.
يفترض أن يكون هناك جانب غامض في شخصية الأب لا يطلع عليه أحد، فهذا الغموض سيضفي على شخصيته الشيء الكثير، وسيتمتع بقوة، ويُعجب أبناؤه به، ومن ثم تتكون لديه "كاريزما".
من الضرورة أن يوهم الأب زوجه وأبناءه أنه يؤدي أعمالا يعجز غيره عن القيام بها، ينبغي أن يجعلهم يتساءلون ويسألون "كيف يستطيع أبونا أن يفعل مثل هذا العمل"؟ يقول وليام كوهين اللواء في القوات الجوية الأمريكية "شيء من الغموض في نمط الشخصية القيادية ضروري لبناء "الكاريزما" وإضفاء شيء من الهالة والكبرياء عليها".
لكن كيف يطبق الأب ويستفيد من حالة الغموض لبناء "الكاريزما"؟ نحن نرى ونلاحظ أولئك الذين يقومون بالحركات الاستعراضية في بعض العروض المسرحية، خصوصا تلك التي تتميز بخداع البصر وخفة اليد، يقوم هؤلاء باستغلال حركاتهم السريعة لإيهام الحضور أنهم يقومون بأعمال تفوق قدرة الإنسان، مثل أن يحضر فيلا إلى المسرح ويجعله يختفي من أمام الناس فلا يراه أحد، أو أن يتم تقييد رجل بالسلاسل وإلقاؤه في عمق خزان مليء بالماء ويتم غلقه بإحكام، إلا أن الجمهور يفاجأ بخروجه من كل تلك القيود بمفرده. أو أن يقوم أحد الحضور بقطع رجل مستلق على أرضية المسرح نصفين بسيف أو بآلة حادة، ويبقى على قيد الحياة. وهناك حيل أبسط من ذلك، مثل إخفاء أوراق اللعب أو العملات الورقية أو المعدنية، أو أي من هذه الحركات التي تبهرنا جميعا. والمشكلة والانبهار ليس في حجم الحيلة بل في كيفية أدائها، التي تصعب على من يراها أن يعمل مثلها، وهذا سر انبهارنا بها.
مثل هذه الأفعال ترسخ في أذهاننا أن هؤلاء يتمتعون بقدرات تفوق ما لدينا، لأن الحيل التي يقومون بها أحاطتهم بشيء من الغموض، وهذا الغموض كان سر الهالة التي أحاطوا أنفسهم بها. ولهذا لا يمكن لهؤلاء أن يخبرونا بطريقة أدائهم تلك الحيل، لأنهم يدركون أنهم لو فعلوا لفقدوا تلك الهالة التي تحيط بهم. فنحن نعرف بالطبع أنهم ليسوا سحرة، لكن كل ما يفعلونه هو خداع البصر، والسر وراء ما يتمتعون به من "كاريزما" هو أنهم يقومون بعمل لا نستطيع نحن القيام به.
وهذا ما ينبغي أن يعمله الأب إذا أراد أن يبني له "كاريزما"، فليس بالضرورة أن يكشف لأفراد العائلة كل أوراقه، بل عليه أن يحيط نفسه بهالة من الغموض كما يفعل أصحاب العروض الاستعراضية على أرضية المسرح، من أجل إيهامهم أن لديه قدرات ليست لديهم.
مثل هذه الأعمال تبهر من حولك، وهناك كثير وكثير يمكن أن تستشفه من آليات عملك، وليس بالضرورة أن يكون ما تقدمه عملا جوهريا بل قد يكون عملا ثانويا، أو ليس له علاقة بمهام العائلة، لكن من الضرورة أن يترسخ في أذهان أفراد مجموعتك الصغيرة أنك تستطيع القيام بأعمال تفوق قدرة الإنسان العادي. بطبيعة الحال لا تحاول أن تغش أو تكذب أو تسرق مجهود غيرك، فقط أحط نفسك بهالة من الغموض بمجهودك أنت، والأمر سهل، فقط إخفاء آليات الأداء.
كلام كهذا لا يتعارض مع ما ذكرته في المقال السابق، عندما ذكرت أن عليك أن تبلغ أبناءك بكل تفاصيل العمل، والهدف الجسور الذي تنوي تحقيقه وطريقة الوصول إليه، هذا الأمر مختلف تماما. لن يستطيع الأب تحقيق الأهداف العظيمة أو غيرها من الأهداف للأسرة دون مساعدة أبنائه، لذا ينبغي أن يقدر الأبناء عظمة الهدف ويتعرفوا على خطوات تحقيقه، فإن لم يقتنعوا فسيبقى الأب في دوامة لن يستطيع الخروج منها، لذا لا يكفي وضع الهدف، بل توضيح الطريق المؤدي إليه. فالأهداف الجسورة وطريقة الوصول إليها ينبغي أن تكون واضحة وملهمة، أما الغموض الذي نتكلم عنه الآن فهو في إبراز قدرات تفوق قدرات أفراد أسرتك، وتوحي إليهم أنك مختلف عنهم، وكلا الأمرين "الأهداف الجسورة" و"هالة الغموض" يحققان الهدف نفسه، وهو بناء "الكاريزما".

إنشرها