بناء «الكاريزما» في المجموعات الصغيرة .. العائلة مثالا

|

تطرقت إلى موضوع "الكاريزما" في سلسلة مقالات سابقة من وجهة نظر القيادات والمنظمات. وفي هذا المقال أريد أن أكيِّف كل ما ذكرته من قبل على المجموعات الصغيرة، خصوصا العائلة. كيف يبني رب الأسرة "كاريزما" له في مجموعته الصغيرة؟ ولا أريد أن أكرر ما ذكرته من قبل من تعريف مفهوم "الكاريزما" وغيرها من المصطلحات والمفاهيم، فالقاعدة المعرفية تمت مناقشتها من قبل.
لابد أن يشعر جميع أفراد الأسرة بـ"كاريزما" الأب، وإذا لم تكن له "كاريزما"، فيمكنه أن يصنعها. فـ"الكاريزما" لا تولد مع الإنسان كما يعتقد البعض، بل يمكن صناعتها، كما أنها ليست حكرا على شخصية بعينها أو ظروف بذاتها، بل تعتمد اعتماد كليا على رغبة الفرد في اكتسابها. وقد بين خبراء الإدارة والقيادة والتربية عدة خطوات لبناء "الكاريزما" في قيادة المجموعات الصغيرة.
الخطوة الأولى: تتمثل في أن على الأب أن يظهر التزامه بأهدافه. فإذا كنت تريد أن يراك أبناؤك كشخصية جذابة مؤثرة لها "كاريزما"، فعليك أن تضع لك أهدافا وتلتزم بتحقيقها، وألا يبقى هذا الالتزام طي الكتمان، بل لابد من إظهاره أمام الأبناء والبنات، ومن ثم الالتزام بها بحماس صادق غير مزيف، يخرج بصدق من أعماق النفس البشرية.
يجب أن يعرف من يريد أن يبني له "كاريزما" بين أبنائه، أن الالتزام بالهدف، وإظهار هذا الالتزام أمامهم لن يجدي، ولن يكون له أثر دون أن يكون هناك حماس داخلي، يشع فيخرج أهمية الهدف لديه إلى الخارج. وهذا الحماس ينبغي أن يكون صادقا، فلا تستطيع أن تظهر أمام النشء حماسا مزيفا، فالتمثيل في موضوع كهذا لا ينطلي عليهم، وسيكتشفون زيف ما تظهره سريعا. يقول روجر أليس المستشار الإعلامي لعدد من منظمات تجارية وكثير من الحملات السياسية، يقول عن "الكاريزما" "إن جوهر الكاريزما هو إظهارك الحماس الذي في داخلك، والتفاني في تنفيذ أفكارك وتحقيق أهدافك".
الخطوة الثانية لبناء "كاريزما" الأب بين أفراد العائلة، هي وضع أحلام عظيمة. الأحلام العظيمة شرط جوهري لبناء "الكاريزما" للقيادات، سواء في المنظمات أو في المجموعات الصغيرة. إذا كنت تريد أن تبني لك "كاريزما" يراها أبناؤك، فيجب أن تظهر لهم عظمة أحلامك، وبعد طموحاتك، وقوة أهدافك. عليك أن تضع لهم أهدافا جسورة، فيها كثير من التحدي. والأهداف الجسورة - كما بينها بوراس في كتابه "البناء من أجل البقاء" - هي أهداف تتسم بالمخاطرة، تجعل الأتباع ينغمسون فيها، فهي تمد أيديها وتجذبهم إلى خضمها، وهي ملموسة ومنشطة ومركزة بصورة شديدة، كما أن الناس يفهمونها بسرعة، ولا يحتاجون سوى إلى قليل من الشرح، أو لا يحتاجون إليه أصلا في فهمها.
الأهداف الجسورة توقد الهمة في قلوب الأبناء، فيعجبون بالأب الذي يضع أهدافا عظيمة حتى إن لم تتحقق. يقول كوهين "ليس هناك من يرغب في العمل بجد، والتضحية من أجل أهداف وضيعة أو صغيرة، فبإمكان أي شخص أن يصل إلى مثل تلك الأهداف بسهولة وتحقيقها، فهي لا تعني شيئا للأتباع، ولا تحقق لهم أي متعة". الفرد في المنظمة أو في العائلة يريد أن يشعر بالتميز وتحقيق الذات، وهذه من ضمن الحاجات التي بينها ماسلو في هرمه، هرم الحاجات. وتحقيق الذات يقع في قمة هرم ماسلو للحاجات، والتميز في نظر الفرد يعني أن يحقق ويحصل على أشياء لا يستطيع الحصول عليها غالبية الناس، فتشعره بالتميز. الأهداف الجسورة والأحلام العظيمة تروي حاجة في نفوس الأبناء، ما ينعكس على شخصية الأب؛ لذا فهي من الأساسيات لبناء شخصيتك كأب يتمتع بـ"كاريزما".
ولكن تحديد أهداف عظيمة وأحلام باهرة لن يكون له معنى إذا لم تكن هناك جدية في تحقيقها ونية صادقة في إنجازها. فلا يكفي وضع هدف أو مجموعة أهداف عظيمة دون السعي إلى تحقيقها، فعمل كهذا لن ينطلي على أفراد الأسرة، وسينتظرون منك كأب توجيه الدفة لتحقيق ما أُعلن من أهداف. يجب أن يعلم الأب أن جميع أفراد الأسرة لن يأخذوا الموضوع بجدية قبل أن يروا أباهم يتجه بحماس نحو الهدف، من خلال القيام بعمل فعلي نحو تحقيقه. تحرك الأب نحو الهدف الجسور يفعل فعل السحر في الأبناء والبنات داخل الأسرة، وستطرب بذلك أفئدتهم، وتشحن نفوسهم وأجسادهم بالحماس؛ لدرجة أنهم إذا كانوا على مقربة منه، فلن يحتاجوا إلى مساعدة الأب، بل سيحققونه ولو خذلهم.
عندما تتحقق معجزة الهدف الجسور، فسيتفاخرون بأبيهم، ويزداد انتماؤهم إلى مجموعتهم الصغيرة، ولسان حالهم يقول: "لقد وهبنا الله أبا ملهما"، وسيتأثرون بشخصيتك، وسينظرون إليك بإعجاب، وهنا ستبني لك "كاريزما" في نظرهم. المشكلة تظهر بعد تحقيق الهدف الجسور، فهم ينتظرون منك هدفا آخر، فقد تعودت نفوسهم على الأمور العليا، وأصبحوا ينظرون إلى عنان السماء، فإذا قاربت على إنجاز الهدف الجسور الذي بين يديك، فليكن في ذهنك هدفا جسورا آخر، وبهذا تصنع لك "كاريزما" وتصنع لهم مجدا.

إنشرها