هدوء اقتصادي لوقف الصراع التجاري

|
من الواضح أن قمة مجموعة العشرين الأخيرة تركت بعض الأثر الإيجابي في المواجهة التجارية بين الولايات المتحدة والصين. ويبدو أيضا أن المسؤولين في كلا البلدين يتحركون من أجل حل الخلافات التجارية هذه بهدوء، بعيدا عن معارك التعريفات والتعريفات المتبادلة. وهذه المعارك تجدها المؤسسات الاقتصادية العالمية نذير شؤم على الاقتصاد العالمي، خصوصا بعد أن وصلت إلى الحلفاء التاريخيين أنفسهم، مثل الولايات المتحدة وأوروبا. كما أنها تؤثر سلبا في نهاية الآثار السلبية التي تركتها الأزمة الاقتصادية العالمية بعد مرور عشر سنوات على انفجارها. وعلى الرغم من أن قمة مجموعة العشرين لم تحقق كل الآمال التي كانت معلقة عليها، إلا أنها بلا شك فتحت آفاقا جديدة لحل المشكلات وحصر التباينات، والأهم أنها كرست مبدأ الحوار حول كل الخلافات الموجودة على الساحة. المشكلات التجارية بين الولايات المتحدة والصين تأخذ حيزا أكبر في الخلافات التجارية العالمية، لأن الطرفين اتخذا إجراءات وإجراءات مضادة وصلت إلى حافة نشوب حرب تجارية بينهما، وتركت آثارا لها على الساحة الدولية بالطبع. وفي العامين الماضيين مضت الأمور بين واشنطن وبكين من سيئ إلى أسوأ على الصعيد التجاري، لأن الأولى تتهم الثانية بالإغراق وبخفض عملتها من أجل دعم الصادرات إلى الولايات المتحدة. ولم تنتظر الإدارة الأمريكية كثيرا، فقد أقدمت على فرض رسوم جمركية إضافية على سلسلة من الصادرات الصينية، بينما قامت الأخيرة بخطوات مماثلة. اليوم تغيرت الأمور قليلا خصوصا بعدما أعلن الرئيس دونالد ترمب أن الصين وافقت على إلغاء أو تخفيض الرسوم الإضافية التي فرضتها على الواردات الأمريكية من السيارات. وبالفعل هذه خطوة كبيرة جدا على هذا الصعيد. وبالطبع حققت الإدارة الأمريكية نجاحا في هذا المجال، ولا سيما أن الضغوط التي مارستها واشنطن على العاصمة الصينية أثمرت ليس فقط من جراء فرض الرسوم الجمركية المرتفعة، بل أيضا عبر تحفيز عدد من الدول الكبرى لتوجيه الانتقادات للسلوك التجاري الصيني معها. وبالفعل حقق ترمب في الأشهر القليلة الماضية مجموعة من الإنجازات على الساحة التجارية، خصوصا بعد أن وقع على هامش قمة مجموعة العشرين في الأرجنتين على اتفاق تجاري تاريخي بين بلاده وكل من كندا والمكسيك، ليحل محل اتفاقية "نافتا" التي اعتبرها مجحفة في حق الولايات المتحدة. المهم الآن أن الحرب بين واشنطن وبكين هدأت تجاريا، وأنها ستفتح آفاقا جديدة لحل النزاعات الأخرى، بل ستؤثر إيجابا أيضا في حل مشكلات مماثلة بين الصين وعدد من بلدان العالم الأخرى، بما فيها الاتحاد الأوروبي. العالم لا يستطيع بالفعل أن يتحمل أي حرب تجارية واسعة، ليس لأنه خارج للتو من براثن الأزمة الاقتصادية العالمية فحسب، بل لأن الاقتصاد العالمي يحتاج إلى قفزة على صعيد النمو، والمتوقع على هذا الجانب أن يكون نموا متواضعا في الأعوام القليلة المقبلة. يضاف إلى ذلك، أن أي مواجهة بين دولتين كبيرتين تجاريا تنعكس بصورة مباشرة على الساحة الدولية ككل، وتشعل خلافات هنا وهناك ما كانت لتشتعل لولا مثل هذه المواجهة. ويبدو واضحا أن الإدارة الأمريكية من جانبها باتت تفضل الحلول الهادئة، وهو أمر تدعمه كل دول مجموعة العشرين، لأن ذلك ينعكس بصورة إيجابية مطلوبة على الاقتصاد العالمي ككل.
إنشرها