نهاية العبودية للعقل «2»

|

تطرقت من قبل إلى منافع العقل والإنجازات التي حققها للبشرية على هذه الأرض، وكيف أن هذه الإنجازات مكّنته من السيطرة على سلوكيات الناس ومشاعرهم دون علم منهم بالمآسي التي سبّبها لهم، وهم غير مدركين أنه هو سبب الكوارث والانتحار والحروب والمجاعات منذ الأزل، كما أنه سبب الانحراف المشين في مسيرة التفكير الجمعي للبشرية.
وبيّنت في مقال الأسبوع الماضي أولى خطوات التحرر من عبودية العقل، وهي إدراكنا ويقيننا بأن سبب شقائنا وتعاستنا وأحزاننا هو العقل، وبمجرد الإدراك والإيمان والاعتراف بهذه الحقيقة نكون قد خطونا الخطوة الأولى نحو التحرر من هيمنة عقولنا على أجسادنا، وسلوكياتنا، وأفكارنا.
أما الخطوة الأخرى، فتتمثل في العيش داخل النفس؛ أي الولوج داخلها لتجاهل شطحات العقل، الذي يرغمك على التركيز خارج النفس، فإذا أردنا أن نتحرر من عبودية العقل، فعلينا أن نركز اهتماماتنا داخل أنفسنا التي بين جوانحنا. وهنا سأبين كيف نغوص داخل النفس، ونسبر أغوارها، ونتحسس أجهزتنا الداخلية التي تعمل بشكل إرادي ولا إرادي طوال حياتنا. وقبل أن أبدأ مناقشة هذه الخطوة، أريد أن أذكّر القارئ الكريم بما سبق أن بيّنته في المقال السابق، أن العقل الذي أعنيه قد يُطلق عليه الشيطان، أو إبليس، وبعض الديانات تطلق عليه أمير الظلام، ولا يهمنا المسمّى طالما الفعل واحد والفاعل واحد، فالهدف من كل هذا هو تحرير أجساد البشر من عبودية عقولهم، ولهذا فنحن لا نخاطب إنساناً بمفرده أو ديناً بعينه، وليس حكراً على فئة محددة، بل يمس حياة الإنسان، أي إنسان يعيش على هذا الكوكب لتغيير تفكير الجنس البشري عموماً، وإيقاظ الناس وتنبيههم إلى هيمنة عقولهم على أجسادهم وسلوكياتهم.
ولكي نتمكن من الدخول داخل أنفسنا لنتحرر من عبودية عقولنا، ونتخلص من وهم العقل "الشيطان" وتصوراته غير الواقعية، علينا أن نتعلم كيف نعيش "اللحظة"؛ أي نتعلم الحضور الشديد، وملاحظات ما يدور حولنا في هذه اللحظة من أشياء مادية وغير مادية محسوسة وغير محسوسة، عليك أن تستعمل حواسك كلها لتكون في المكان الذي أنت فيه، فمن المستحيل أن تكون في مكانين مختلفين في وقت واحد، فالعقل يعيِّشك في مكان مختلف عن الذي أنت فيه، فيجرك عنوة إلى الماضي، أو يدفعك إلى المستقبل. لكي تتفادى ذلك ينبغي لك أن تعيش اللحظة التي أنت فيها الآن، انظر حواليك وحسب، لا تحلل، انظر إلى النور، إلى الأشكال، إلى الألوان، إلى الأماكن بما فيها من فراغات، استمع إلى الأصوات، وإلى السكون بين الضجيج، افعل ذلك بفكر المتأمل الشغوف، لا نظرة المحلل المكتشف. لا يهم كيف أتت هذه الأشياء، ولماذا أتت، الذي يهمنا الانبهار بها، وبجمالها، وتكوينها، والاستمتاع بها.
فإذا أردت أن تتحرر من سيطرة عقلك على جسدك، فعليك أن تكون حاضرا الحالة السرمدية التي تعيشها، عن طريق الحضور التام للحالة التي أنت فيها الآن، فبهذا تستطيع أن تخدع العقل "الشيطان" وتعيش في الوضع الذي أنت فيه الآن، وليس بالأمس أو الغد، بل الآن، في هذه اللحظة التي تقرأ فيها مقالي هذا، فقد تحكمت في عقلك، وأصبحت أنت مَن يسيطر ويدير حياتك.
العقل -كما ذكرت ذلك- يعيّشك في حياة وهمية، ليست حياتك الحقيقية، إما في الماضي وإما في المستقبل. فأنت في الحاضر، بينما عقلك يجرك بعنف إلى الماضي الذي ولى ولم يعد له وجود، أو يدفعك رغم أنفك إلى المستقبل الذي لم يُولد بعد، وهذه هي التي تسبّب لك القلق، وتشعرك بقسوة الألم. يقول ابن الرومي: "الماضي والحاضر يحجبان الآلة عن مصيرنا احرقوهما بالنار"، وأدرك هذه الحقيقة الشاعر اللبناني الشهر إيليا أبو ماضي؛ أشهر شعراء المهجر، وقد ورثها لنا في آخر بيت من أيبات قصيدته الشهيرة "كم تشتكي" حينما قال:
"يا من يحن إلى غدٍ في يومه ... قد بعت ما تدري بما لا تعلم".
و"عيش اللحظة" لا يعد فكرا جديدا، فقد أدرك ذلك توماس كاريل؛ الأديب الإنجليزي الشهير في القرن التاسع عشر، وبيّن هذا في مقولته الشهيرة: "ليس علينا أن نتطلع إلى هدف يلوح لنا باهتا عن بُعد، وإنما علينا أن ننجز ما بين أيدينا من عمل واضح بيِّن"، كما استخدمها الدكتور سير سلو؛ الذي أسّس كلية جونز هويكنز للطب، وحصل على لقب "سير" من ملك إنجلترا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ورغم ظهور فكرة العيش في حدود اللحظة في فترات متقطعة من التاريخ الإنساني، إلا أن الممارس الحقيقي لهذا المبدأ هو إكهارت تول؛ الذي أصّل ووضع آليات لممارسته في كتابين منفصلين: الأول يشرح نظرية "عيش اللحظة" بعنوان "قوة الآن"، والآخر يبيّن كيفية العيش في اللحظة الراهنة بعنوان "ممارسة قوة الآن".

إنشرها