التستر .. إعادة فهم مشكلة العامل الأجنبي «2»

|
أشرت في المقال السابق إلى علاقة الاقتصاد السعودي بالعامل الأجنبي، وأنها علاقة ناجحة حتى اليوم، والتحديات الجديدة لا تغير من هذا الواقع شيئا، العمال الأجانب كشركاء، ولكن يجب علينا جميعا إدراك نوعية الشراكة المطلوبة اليوم التي حتما قد اختلفت عن الشراكة القديمة، يجب على العمال الأجانب تحمل تبعات أكثر اليوم، لكن هذه التبعات لا تعني الاستغناء أبدا، بل تعني وضوحا وشفافية، تعني مصداقية، تعني احتراما متبادلا، وتعني التعاون لتحقيق نمو اقتصادي يستوعب الجميع، فالمملكة ما زالت تزخر بالخيرات، وهناك كثير مما ينتظر العمل للفوز به، "رؤية المملكة" تحمل كثيرا من النفحات الجميلة، ومشاريع جبارة تتطلب لنجاحها توافر تعداد بشري مع قدرة شرائية حقيقية. العلاقات الجديدة -كما أراها- تتداخل بين حكومة ترغب اليوم في عدم التغاضي عن كثير من الحقوق الواجبة لها، فلقد تغير كثير من الوقائع الاقتصادية، والنفط لم يعد الممول الوحيد للمالية العامة، وهناك رسوم وضرائب واستثمارات لم تكن موجودة من قبل، فكر تمويل المالية العامة تغير بلا عودة، الحكومة شريك تنموي، ولكن هذه الشراكة ليست بلا استحقاقات، بمعنى أن الحكومة لم تعد عنصرا محايدا يتحمل التكاليف، والأصعب من المشاريع، بينما تترك المنافسة على الأرباح، عنترة لم يعد موجودا في الفكر الحكومي الحديث، الاستدامة الاقتصادية تتطلب تجديد الموارد التي لم تعد تعتمد على الخامات الطبيعية، بل هناك اقتصاد المعرفة الذي يتطلب منتجات مربحة ذات عائد، هنا يجب فهم الحكومة، وماذا تريد بالضبط، الاقتصاد المعرفي الحديث المستدام يحتاج إلى الدعم الحكومي الذي لم يعد مجانا. المواطن السعودي يطلب حياة عصرية كريمة، ومحطات عمل تناسب هذا، مع ما يتطلبه هذا من السكن في المدن العصرية، واستدامة الدخول عند مستويات أعلى، تحافظ على القدرة الشرائية التي تمتع بها لسنوات، مع توفير وظائف وتأمينات ضد التعطل عن العمل أو التقاعد، تكون متناسبة مع تكلفة الحياة عند المستوى المتوسط، "وهو مستوى متغير"، كما أن المواطن يدرك أنه في حاجة إلى مهارات أفضل بشرط أن تتيح له الفوز بفرص في العوائد التي يراها تتوزع وفقا لقواعد اقتصاد المعرفة الجديدة، وهو في هذا مستعد لتقديم تنازلات تتعلق بالوقت والمكان والشروط. العمال الأجانب يريدون حياة آمنة، مع دخول تتناسب مع الضرائب المتصاعدة، وتحقيق عائد يغطي تكلفة العقود التي أبرموها للعمل في المملكة، مع ضمان تدفق التحويلات التي تحقق متطلبات حياة مختلفة عن الواقع السعودي، وبغض النظر عن نوعية العمل "مسمى كان أو حقيقة" طالما تتحقق هذه الشروط، المواطن السعودي والعامل الأجنبي يقومان بعقود ضمنية تضمن لكل منهما تحقيق الشروط السابقة، وهذه العقود تضمن دخولا مستدامة للمواطن، وأيضا عوائد تضمن تحويلات مستدامة للعامل الأجنبي، وكما أشرت في المقال السابق إذا توافرت هذه الشروط بعقود نظامية، تقبلها الحكومة وتحقق شروطها المتعلقة بالمالية العامة، فإننا سنقدم حلا جذريا لمشكلة التستر، وهي تتضمن تشجيع المواطنين "بغض النظر عن كونهم على وظائف أو لا، تجارا أو حكوميين" على أن يصبحوا ملاكا حقيقيين، يتمتعون بالعوائد، وتحويل الأجانب أكثر إلى عمال حقيقيين يتمتعون بالعمل وعوائده فقط، وهذا -في نظري- يحتاج منا إلى قبول عقود تأجير المحال للعمال الأجانب "بصفتهم"، مع إعادة تقييم الرسوم، والاكتفاء بضريبة القيمة المضافة، وتغيير مستوياتها فقط لتشمل شريحة أكثر. هذا التعديل سيحقق كثيرا، ومن ذلك زيادة الدخل الحكومي جراء زيادة الضرائب الناتجة عن دخول هذه الشرائح الجديدة، وأيضا تحقيق دخول مستدامة للمواطنين، مع تقليص مستويات المخاطرة، وكذلك تقليل تكلفة مكافحة التستر والغش التجاري بكشف العقود الجديدة، مع إمكانية فرض شروط أشد في التوطين، كما أن المتطلبات الضريبية تفرض كثيرا من الإجراءات، مثل الفوترة والمحاسبة والتدقيق الضريبي وغيرها ما يوفر فرصا وظيفية كثيرة للمواطنين. تبقى مشكلة عقود الكفالة، وهي عقود ضمنية أيضا، يحصل من خلالها العامل على حرية العمل، مع ضمان دخل الكفالة للمواطن، وهي عقود أراها سيئة جدا، وتقتضي محاربتها لإنهاء موضوع الكفالة نهائيا؛ حيث إن عقود التأجير تمنح العامل هذه الحرية المطلوبة، مع دفع الرسوم للدولة، وزيادة الضرائب، وأيضا يتم كشف الغش، وتحميل المسؤوليات بدقة.
إنشرها