كيف نتحرر من عبودية العقل؟

|

طرحت في مقال الأسبوع الماضي سيطرة عقولنا على حياتنا وبينت فوائد العقل وأهميته وإنجازاته، وخلصت إلى أن العقل رغم ما قدمه للبشرية من إنجازات ومنافع إلا أنه سبب لها أضرارا، وحرفها عن الخلقة التي خلق الله الناس عليها. فرغم أهمية العقل والمنافع الكثيرة التي يستفيد منها الإنسان التي يصعب حصرها، إلا أن هناك ثغرة لا يراها إلا ثلة بسيطة جدا تعيش في كوكبنا هذا، وهي أن العقل رغم كل ما يعمله من أجلنا إلا أنه يعمل ضدنا ويقودنا إلى المهالك ويسبب لنا كثيرا من الأخطاء، والأخطار، واتخاذ قرارات غير صائبة.
فنتيجة انبهار البشرية بإنجازات العقل وبما حققه لها من مكاسب أصبح هو الذي يستخدم الإنسان وليس الإنسان هو الذي يستخدم عقله. فأنت في الحاضر بينما عقلك يحاول أن يجرك إلى الماضي الذي ولى ولم يعد له وجود، أو يدفعك رغم أنفك إلى المستقبل الذي لم يولد بعد، وهذا ما يحدث فجوة القلق التي بدورها تنشئ قسوة الألم، كما يقول العالم والمؤلف إكهارت تول "عندها تنشأ النفس المزيفة التي صنعها لنا العقل وليست هي النفس الحقيقية التي خلقنا الله بها".
وقد ختمت مقال الأسبوع الماضي بالسؤال التالي: كيف نتخلص من سيطرة عقولنا حتى نعود إلى طبيعتنا التي خلقنا الله عليها من الشعور بالفرح والسرور؟ لكي تتخلص من سيطرة العقل لا تحتاج ألبتة إلى السفر والترحال والذهاب والإياب، لا تحتاج أن تذهب إلى بلاد بعيدة وتتغرب عن أهلك وعشيرتك وتمضي سنوات تتعلم فيها كيف تضبط شطحات عقلك، لكي تتحرر من عبودية العقل لا تحتاج أن تذهب إلى طبيب أو عالم دين يخبرك كيف تفعل، لا تحتاج إلى جامعة أو مؤسسة علمية تعلمك كيف تتخلص من سيطرة عقلك على نفسك.
المهمة سهلة للغاية وتأخذ ــ بعد هداية رب العالمين ــ عدة خطوات. الخطوة الأولى يجب أن تقتنع أنك لست أنت من تملك عقلك بل هو من يملكك ويتحكم في حياتك من حيث لا تدري، وبمجرد معرفتك هذه الحقيقة تكون قد خطوت الخطوة الأولى نحو تحريرك من عقلك الذي قد يقتلك. وبمجرد قناعتك بهذه الحقيقة سيظهر لك الجمال السرمدي والفرح المعسول والسلام الداخلي لأن العقل هو الذي يخفي كل هذه الأضواء عنك لأنه يبني قراراته وتصوراته على الحقائق المجردة والمنطق، ولا يهتم كثيرا بفهم الجمال والفرح والسلام، ونحن لا نحتاج إلى أن نفهم مثل هذه المشاعر بل نحتاج إلى أن نشعر بها فقط.
الخطوة الثانية للتحرر من عبودية العقل هي أن تدخل داخل نفسك التي بين جوانحك، وكلما أتقنت الغوص داخل النفس أضاء وجهك، وأشرق جبينك، وتراقصت أطرافك، وعرفت حقيقة ذاتك، وشعرت أنك بالفعل تعيش الحياة التي خلقك الله عليها وهي حياة أهل الجنة. ورغم أننا نعيش في الأرض إلا أننا في الأصل من سكان الجنة، فأبونا آدم وأمنا حواء هبطا من الجنة، وهذا الهبوط هو العقوبة، والمكتسبات الأخرى باقية لم يطرأ عليها أي تغيير ومنها روعة الخلق، وصفاء النفس، وانشراح الصدر. نحن لا ندري من الذي غرس في أذهاننا أننا خلقنا من أجل أن نتعذب، فالحقائق التي بين أيدينا تقول إن آدم وحواء هما اللذان تمت معاقبتهما في جزئية محدودة وهي الهبوط من الجنة بسبب أكله من الشجرة التي نهي عنها، أما بقية المكتسبات فلم يطرأ عليها أي تغيير. ورغم أننا لم نعش في الجنة كما عاش أبوانا من قبل إلا أننا نحمل خصائص أهل الجنة من روعة الخلق وصفاء النفس والشعور بالحياة السرمدية، لكن التغيير الذي طرأ على البشر عبر آلاف السنين ومنها سيطرة العقل على الفكر الجمعي للناس هو الذي جنح بنا إلى هذه الهوة، بالاعتقاد أننا يجب أن نتعذب فنشعر بالألم ونعذب أنفسنا ونقمع ذواتنا ونكبت صوت الحياة الشجي في داخلنا.
بطبيعة الحال البعض يتهم العقل mind بأنه سبب تعاستنا وحزننا وشقائنا، عقائد أخرى تتهم الشيطان devil وأتباعه وراء ما يواجهنا من سلوكيات مشينة في حياتنا، آخرون يطلقون على من يسبب لنا هذا الشقاء إبليس devil البعض الآخر يسمونه أمير الظلام prince of darkness. وهذا لا يغير من الحقيقة شيئا، فما يفعله العقل بنا هو عمل شيطاني، فالقضية ليست منحصرة في الاسم بل في الفعل. ولهذا لا أرى في التسمية مشكلة، فيمكنك أن تطلق على من يسبب لك الشقاء العقل أو الشيطان أو إبليس، لا يهم الاسم طالما المهمة واحدة.
نعود إلى موضوع الولوج داخل النفس للتحرر من عبودية العقل، فنقول إن هناك آليات لنتخلص من وهم العقل "الشيطان" وتصوراته غير الواقعية، وهذا يحتاج إلى تفصيل لعلنا نناقشه في المقال المقبل إن شاء الله.

إنشرها