كيف تحرر نفسك من سيطرة عقلك؟

|

العقل ذلك الجزء الجوهري الذي يختلف به الإنسان عن بقية المخلوقات، نعمة كرم الله الإنسان بها، ويعد من آثار التكريم الرباني للإنسان حين فضله على كثير من خلقه، قال تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا".
وقد حقق الإنسان عبر التاريخ كثيرا من الإنجازات والاختراعات على مختلف الأصعدة والمجالات بسبب العقل، كما أخرج العقل للناس كل ما ينتفعون به في حياتهم ومعايشهم، فالأبنية والأنظمة والكهرباء والطائرات والسيارات، والحاسبات، حتى النار لم يكن ليتم اكتشافها لولا الاستثمار الكامل للعقل وتكريسه وتوجيهه في مجال البحث العلمي، والتّفكر في نواميس الكون وقوانينه. ولم يقتصر العقل على العلوم البحتة، بل إنه مصدر الحكمة التي تميز بها بعض البشر عبر التاريخ، فمن دون العقل لا يتصور بحال أن يكون الإنسان حكيما؛ بسبب أن الحكمة تحتاج إلى تبصر في الأمور وتعقل، مع اختبار لتجارب الحياة وترجيح الصواب.
ورغم أهمية العقل والمنافع الكثيرة التي يستفيد منها الإنسان، والتي يصعب حصرها في مقال كهذا، إلا أن هناك ثغرة غائبة لا يعرفها كثير من الناس، بل قد لا يعرفها إلا ندرة بسيطة، تعيش على هذه البسيطة، وهي أن العقل رغم كل ما يعمله من أجلنا، إلا أنه قد يعمل ضدنا، وقد يقودنا إلى المهالك، وقد يسبب لنا كثيرا من الأخطاء، والأخطار، واتخاذ قرارات غير صائبة.
فنتيجة لإنجازات العقل وانبهار البشرية بما حققه لهم، أصبح العقل هو الذي يستخدم الإنسان وليس الإنسان هو الذي يستخدم عقله. يقول اكهارت تول مؤلف أكثر الكتب مبيعا في مجال التنوير "من خصائص العقل أنه يحب أن ينشب أسنانه في المشاكل، كما يحب الكلب أن ينشب أسنانه في مضغ العظام على نحو لا شعوري، ولهذا أنت لا تعرف أنك عبد للعقل؛ لأنك مملوك لعقلك دون أن تدري، وهو يستخدمك دون علمك وأنت متحد معه على نحو لا شعوري".
وأضاف اكهارت تول "من المحتمل أنك صادفت أناسا مجانين في الشارع يتكلمون مع أنفسهم على نحو مستمر دون انقطاع، فهذا لا يختلف كثيرا عما نفعله نحن الذين نعد أنفسنا عقلاء، الفرق الوحيد أننا لا نكلم أنفسنا بصوت مرتفع، بينما المجانين يرفعون أصواتهم. نتخيل في بعض الأحيان حالات مستقبلية يبتكرها العقل لنا دون شعور منا، وقد يرفق معها صورا بصرية وأفلاما متحركة، وقد يضع قصصا وحكايات وسيناريوهات، وكل هذه أوهام. ترى أناسا كثيرين يعيشون معذبين، يسكن صوت العقل رؤوسهم، ويهاجمهم، ويعاقبهم باستمرار، ويستنزف قواهم الحيوية، وهذا هو سبب البؤس والتعاسة والمرض الذي يتعرض له الناس منذ انحرافهم عن فطرتهم الأصلية، التي فطر الله الناس عليها.
مشكلة العقل الأزلية أنه يحكم على الأشياء من خلال الماضي، ومن التجارب التي مرت؛ كي يبقى في موقع السيطرة؛ أي حجب الحاضر الممتع بالماضي المؤلم. فأنت في الحاضر بينما عقلك يحاول أن يجرك إلى الماضي، الذي ولى ولم يعد له وجود، أو يدفعك رغم أنفك إلى المستقبل الذي لم يولد بعد، وهذا ما يحدِث فجوة القلق، التي بدورها تنشئ قسوة الألم. تتمثل آلية العقل المبتكرة في العيش في الماضي، والقفز إلى المستقبل، فتنشأ النفس المزيفة، ليس لثلة بسيطة من الناس، بل لأكبر عدد ممكن ممن يعيشون في هذا الكوكب، حتى أصبح هذا على هيئة تفكير جمعي لكل الناس، فتصبح حياتنا كلها ندما، وحزنا على الماضي، وقلقا وخوفا من المستقبل، وهذه هي النفس المزيفة التي صنعها لنا العقل، وليست النفس الحقيقية التي خلقنا الله بها.
وطالما أن العقل هو الذي يسيطر على حياتنا، فلا يمكن أبدا أن نشعر بالراحة ونستلذ بالحياة؛ لأنه يقف بالمرصاد لكل بارقة أمل تنير لنا الطريق، وتكشف لنا واقعنا السعيد. طالما العقل هو الذي يسيطر علينا، ويسير حياتنا، فلا يمكننا أن نشعر بالراحة إلا لفترات قصيرة، عندما نحصل على ما نريد من متع ورغبات، ثم نعود إلى الشقاء من جديد. وبطبيعة الحال، العقل في حد ذاته لا يعتبر اختلالا وظيفيا، بل أداة رائعة حققت لنا إنجازات عملاقة - كما تم ذكره في مقدمة المقال - إلا أن المشكلة الأساسية أننا سمحنا لعقولنا بأن تسيطر علينا وتوجهنا، غير مدركين أن هذا العقل يسلب منا طاقة الحياة، وينسج لنا مشاكل وأوهاما غير حقيقية. العقل عادة ما يتصور حالة خيالية مستقبلية، تسبب لنا الخوف، ولا يمكن التغلب عليها؛ لأنه يقوم بصناعتها، ويسكنها في أذهاننا رغما عنا. ولهذا فالإنسان الذي يقرر الانتحار يكون متطابقا مع عقله؛ أي أن العقل هو الذي يديره ويسيره من دون علمه، ولو عرف هذه الحقيقة لعاد سريعا إلى رشده.
والسؤال الآن: كيف نتخلص من سيطرة عقولنا علينا؟ وكيف نعود إلى طبيعتنا التي خلقنا الله عليها من الشعور بالفرح والسرور؟ هذا ما سنناقشه في مناسبة لاحقة إن شاء الله.

إنشرها