من راقب الناس

|

لعل الفضول هو الميزة الغالبة التي لم يتمكن أهل مشرقنا من السيطرة عليه. يتدخل أصحابه في كل شيء، وكل أحد، بممارسات لا يستفيد منها الشخص ولا تزيده علما أو مالا أو حتى منصبا وحظوة. الوقوف والفرجة على الآخرين يضايقهم، ويجمع لصاحبه كما من الكراهية والغضب كلما كان من يراقبهم يدركون ما يفعل. فكيف إذا كان يراقب مصيبة أو حادثا فيه إصابات أو خسائر مالية وبشرية، هناك تبدأ الدعوات تنهال عليه لتفقده بعضا مما يملك أو يعتد به، فتصبح المراقبة للآخرين مصدر خسارة بعد أن كانت مجرد ممارسة مهووسة لأمر مستهجن.
الأسوأ من ذلك هم من ينتقدون هذا السلوك في المجالس والمنتديات ثم يمارسونه في مواقع أخرى، وهم يمثلون حالة من الفصام تعيشها أغلب المجتمعات الحاضرة لأسباب كثيرة تتعلق بالتصالح غير الموجود وممارسة تمجيد الذات التي وضعتنا جميعا في مركز نرجسي ينتهي بنا إلى خسارة كثير مما نملكه اليوم. الغريب أننا حين نشاهد مجتمعات خرجت من "خدر" الاهتمام بما يحدث مع الآخرين نغبطهم، ولم نفكر لماذا خرجوا من دائرة الاهتمام بالآخر والتفكير بما يحدث له أو ما يمارسه في حياته الخاصة.
المهم هنا أن نتذكر أن هناك مجموعة من المتلازمات البيئوية والمجتمعية التي لابد منها لتكوين منتجنا الشرقي هذا. إن العلاقات الاجتماعية المتماسكة، التي يعرف فيها كل الأفراد بعضهم وما يحدث لكل منهم، تجعل الفاقد يتحسر على ما يراه عند المالك. وهذا الطبع تنتجه العلاقات التي تجمع الناس ببعضهم بشكل شبه يومي. يأتي في السياق مفهوم الوقت الذي نمارس إضاعته بشكل احترافي، وهنا نجد كثيرا من الفراغ الذي يدفعنا إلى التفكير في الآخرين بدل التفكير في أنفسنا ومراقبة أخطائنا ومحاولة تجاوزها. 
تدفع هذه الأمور باتجاه شغل الوقت بغير المفيد، ولو أن القليل المتاح لكثيرين من الحضارات العالمية يستغل في أنشطة مفيدة أو قراءة مثقفة أو هواية مهما كان نوعها. هذا يتطلب أن تكون هناك وسائل لدعم مثل هذه الأنشطة، ومهم كذلك نشرها وتمكين الناس من التعرف عليها وممارستها كأساليب جديدة لشغل الفراغ بالمفيد. صدقوني حين أقول إنه لو وجد الشخص ما يشغل فراغه من المفيد لابتعد عن مراقبة الآخرين، سواء تمنى زوال نعمتهم أو حرمهم من فرصة للنجاة.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها