كيف تتطور التنافسية للدول؟

|

الكثيرون حاولوا تفسير الميزة التنافسية من المنظور الاقتصادي لدى بعض الدول أو الشعوب، ولا يزال النقاش جاريا حولها، فعلى سبيل المثال، ما التفسير لنجاح تنافسية دول مثل، ألمانيا في صناعة السيارات وصناعة الكيماويات وغيرهما، إيطاليا في صناعة السيراميك والأدوات الصحية وصناعة النسيج، اليابان في صناعة السيارات والأجهزة الإلكترونية، سويسرا في صناعة الأدوية والساعات الفاخرة وأمريكا في صناعة الطائرات وغيرها؟
قد يعتقد البعض أنها واضحة أو سهلة لكنها في الحقيقة أعقد ما يتصوره الكثيرون، فعلى العكس من تفسير تنافسية شركة معينة داخل قطاع معين وهو واضح وسهل تفسيره لا يوجد تفسير شامل ومتفق عليه بالنسبة للدول National Competitiveness، وكما ذكر مايكل بورتر Michel Porter في بحثه المنشور في مجلة هارفرد بزنس ريفيو، أن البعض ربط تنافسية الدول كظاهرة للاقتصاد الكلي تقودها عوامل متغيرة مثل سعر صرف العملة، معدل الفائدة والعجز في الميزانية، لكن إذا أخذنا هذا التفسير فإنه يفشل في تفسير وضع اليابان وإيطاليا وغيرهما من الدول التي لديها عجز كبير في ميزانيتها ومع ذلك تتمتع بدخل عال للمواطن مع وضع معيشي عال "وهي مؤشرات لنجاح التنافسية للبلد"، ويفشل كذلك في تفسير وضع ألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية التي كانت مستمرة في الازدهار في وقت ارتفاع اليورو أمام الدولار، وكذلك ازدهار إيطاليا "قبل اليورو" على الرغم من ارتفاع الفائدة على عملتها في ذلك الوقت، لذلك لا يبدو هذا التفسير متماسكا.
تفسير آخر يقول إنها تعود إلى توافر اليد العاملة الرخيصة، وهذا مرة أخرى يفشل في حالة ألمانيا وسويسرا والسويد حيث أجور اليد العاملة أعلى من غيرها وكذلك تعاني قلة اليد العاملة في كثير من الأوقات.
رأي آخر يفسرها ويربطها بوجود الموارد الطبيعية، لكن بلد مثل ألمانيا واليابان لا يتمتعان بموارد طبيعية تذكر، لذلك لا يمكن أن تكون الموارد الطبيعية هي التفسير لنجاح بلد في التنافس الاقتصادي.
من الآراء الحديثة الربط بين النجاح في التنافس وسياسة الدولة وتدخلها في الاقتصاد، فعلى سبيل المثال؛ قوانين لتشجيع الصادرات والإعانات والحمائية وغيرها، ويتم الاستشهاد بما عملته الحكومة اليابانية والكورية لتطوير وتشجيع بعض الصناعات كالسيارات وأشباه الموصلات "قديما" ونقلها إلى المنافسة عالميا وكما فعلت الصين خلال العقدين الماضيين، لكن "وكما يذكر بورتر" أنه عند البحث نجد أن التدخل الحكومي لم يكن فعالا في عدة دول مثل إيطاليا ومع ذلك نجحت صناعتها، وفي ألمانيا من النادر أن الحكومة تتدخل في دعم الصادرات كما يذكر بورتر وحتى في اليابان التدخل كان محدودا، والصناعات التي حظيت بتدخل أكبر هي صناعات قديمة وتقنيات انتهت اليوم، لذلك لا يرى بورتر أن التدخل الحكومي أو السياسة الحكومية لها أثر قوي في زيادة تنافسية الدولة. هنالك عديد من النظريات والآراء المفسرة منها، طرق الإدارة واللجان العمالية لكن كل واحدة لا تعطي تفسيرا شاملا لكل البلدان أو يوجد بها خلل في ربطها للحالات.
إذن ما التفسير الأقرب للربط بالتنافسية؟ يجيب عنها بورتر بمستوى الإنتاجية، حيث إن الهدف الأساسي للأمة أو الدولة أن توجد وترفع مستوى المعيشة للمواطنين، ولكي يتم تحقيق ذلك يعتمد على مستوى الإنتاجية التي تقوم على الكيفية التي يتم بها توظيف الموارد البشرية ورأس المال، بمعنى آخر، الإنتاجية هي قيمة المخرجات التي تنتج لكل وحدة من العمالة أو رأس المال، فكلما ارتفع الناتج من العمالة أو رأس المال الموظف في الاقتصاد زادت إنتاجية البلد وهكذا، فالإنتاجية للموارد البشرية تحدد نسبة الأجور، فكلما ارتفعت "وتحسنت" الإنتاجية زادت الأجور معها على المدى الطويل، كذلك الإنتاجية لرؤوس الأموال تحدد العائد للمستثمرين أو الملاك، فكلما زادت الإنتاجية زاد معها العائد.
إذن ربط قوة ونجاح التنافسية لبلد ما أو تنافسية قطاع لديها يعود إلى مستوى الإنتاجية لديها، ومستوى الإنتاجية يعود إلى عاملي الموارد البشرية ورأس المال "الاستثمار"، ولكي نحصل على موارد بشرية قادرة على صناعة التنافس يجب أن نعدهم بشكل سليم من الأساس ومن خلال التعليم والتدريب وربط ذلك بالتطور التقني للبلد، ولكي نوفر رأس المال أو الاستثمار يجب أن نجذب المستثمرين وهذا لا يتم بدون تهيئة البيئة المناسبة والجاذبة لهم من جميع النواحي :"تشريعات، أنظمة، قوانين واضحة، نظام عدلي فعال، محفزات من الدولة وغيرها"، لذلك هي في تصوري دوائر مترابطة تكون ما يعرف بالنظام البيئي المناسب Ecosystem لتطور الاقتصاد وصناعة التنافسية للدولة، ونحن الآن مع "رؤية المملكة 2030" نسعى إلى إيجاد هذا النظام "الاهتمام بتطوير الموارد البشرية، وجذب الاستثمارات" وبالتالي رفع الإنتاجية للفرد ولرأس المال المستثمر ومن ثم رفع تنافسية المملكة في نهاية الأمر بإذن الله.

إنشرها