ماذا وكيف يقرأ المستثمرون؟

|
قد نخفق في تقديم تعريف موجز ومحدد لمفردة "المستثمر" رغم شيوع المفردة هذه، إلا أن الناس غالبا ما تستخدمها للدلالة على الذين يوظفون أموالهم في شتى الأنشطة والمشاريع والأعمال المختلفة لتحقيق الأرباح وتراكم ثرواتهم. وانطلاقا من هذا المعنى، صار لمفردة "المستثمر" معان عديدة ومن ثم أخذت تشمل القائمين بمختلف الأنشطة ذات المردود المالي. والمستثمرون شتى ولهم أيضا شتى التسميات والألقاب. هناك "المستثمر الجريء" و"المستثمر التقليدي" و"المستثمر المخاطر" إلى غيرها من تسميات، تشير كل واحدة منها إلى سلوك المستثمر عند توظيفه لماله. وإن تفحصنا الأنشطة التي يحاول المستثمرون اقتحامها، فإنها متشعبة ومتعددة. فهناك "المقامرون" الذين يدخلون في نشاط اقتصادي ويخرجون منه بسرعة لغرض الربح السريع. وهناك "المضاربون" وهم نشطون في شتى النشاطات الاقتصادية والمالية ولكنهم يركزون على البورصة وتجارة السلع وشراء وبيع العملات. والاستثمار لم يعد مقتصرا على فئة محددة من الناس. اليوم في إمكان أي إنسان الولوج في نشاط استثماري الذي قد يشمل شراء الأسهم في البورصة أو ادخار العملات الصعبة أو المعادن الثمينة أو الإيداع في المصارف لقاء نسبة فائدة محددة. ولكن هناك خاصيتين تميزان النشاط الاستثماري في عالمنا المعاصر وأظن أن علينا إيرادهما قبل ذكر ماذا وكيف يقرأ المستثمرون؟ أو بالأحرى الطريقة التي يحصلون بها على المعلومات التي تساعدهم على اتخاذ قرار استثماري. الخاصية الأولى، حسب عالم الاقتصاد الشهير توماس بيكيتي صاحب الكتاب المؤثر والذائع الصيت "رأسمال المال في القرن الـــ21"، لها علاقة مباشرة بنوعية الاستثمار. يقول بيكيتي إن كثيرا من الاستثمار اليوم ما هو إلا مضاربة ومقامرة غايتها تكديس الأموال وحسب. والخاصية الثانية أيضا نستقيها من بيكيتي الذي يبرهن من خلال دراسته الرصينة أن هذا النوع من الاستثمار يزيد نخبة قليلة من الناس وهي بحدود 1 في المائة من السكان غنى، ولكنه يخفق في تراكم ثروة المجتمع ككل لأنه في الغالب لا علاقة له مع تنمية الموارد من صناعة وزراعة وكذلك الخدمات. نأتي الآن إلى صلب موضوعنا وهو إن كان هؤلاء المستثمرون يقرأون وإن قرأوا فما الذي يقرؤونه؟ قد لا يصدقنا القارئ، إلا أن المستثمرين الذين أشرنا إليهم أعلاه أكثر الناس نهما بالقراءة. ولكن أي قراءة يا ترى؟ وقد لا يصدقنا القارئ، إلا أن المستثمر هو أكثر الناس بحثا عن المعلومة، ولكن أي معلومة يا ترى؟ المستثمر الذكي من النادر أن يدخل في عملية استثمارية دون معلومات حول الوجهة التي يتوقعها للعملية هذه من حيث الربح والخسارة. وهناك اليوم عشرات الوكالات والنشرات التي تعنى بأخبار المال والأسواق والسلع والعقار والعملات والشركات غايتها تقديم معلومة قد يستفيد منها المستثمر في نشاطه اليومي. وبعض هذه الوكالات والنشرات تعمل 24 ساعة وسبعة أيام في الأسبوع لتقديم المعلومات عن حركة وحال ونشاط الأسواق والسلع والعملات لزبائنها. وقد دشنت هذه الوكالات والنشرات أجناسا كتابية خاصة لخدمة الزبائن. وتتألف أطرها الخطابية في الأساس من عناوين خبرية قصيرة تمنح قراءتها السريعة المستثمر تقريبا كل ما يريده من معلومات للدخول في عملية بيع أو شراء. وتقديم المعلومات للمستثمرين من خلال خطاب يختزل المعرفة في سطر أو سطرين لا أكثر يشكل لولب حركة الأسواق المالية والسلع وعمليات البيع والشراء المتعلقة بها. المعلومات بالنسبة للمستثمرين هي بمنزلة الكهرباء للمصانع. سيل المعلومات عن حركة السلع والأوراق المالية والشركات والعملات قد يكون له من الوقع ما للهواتف النقالة والحواسيب بكل أشكالها على حياة الناس. وتختلف أهمية المعلومة التي يهتم بها المستثمرون عن اهتمامات الإنسان العادي. خفض إنتاج النفط من قبل بلد منتج بمقدار 100 ألف برميل في اليوم يعد معلومة مهمة للغاية لأسواق السلع. وقس على ذلك معلومات تخص حركة العملات والسلع المختلفة حيث إن مقدار وتوقعات إنتاج القمح في بلد مثل مصر أو غيرها من البلدان مهم للغاية بالنسبة للوكالة والنشرات المختصة بأخبار المال والسلع. وصار العالم الذي نعيشه اليوم عالم المعلومة، ولكن المعلومة التي تنقلها لنا لغة قد لا يزيد عدد كلماتها على سطر واحد. رغم ذلك قد يهز هذا السطر الأسواق ويدفع المستثمر إلى الدخول في عمليات البيع والشراء التي تتم اليوم في لمح البصر.
إنشرها