برامج التنمية .. وعوامل النجاح

|

لماذا تتعثر برامج التنمية في دول وتنجح في دول أخرى رغم أن الأساس النظري للبرنامج التنموي واحد؟ فكرت في هذا الأمر كثيرا؛ لمعرفة الأسباب، فبعض الدول تبذل أموالا طائلة في برنامج تنموي، وتستقدم خبراء لهم خبرة واسعة في أوطانهم؛ لرسم البرنامج التنموي، ووضع إطاره النظري، وتبذل الجهود، وتصرف الأموال، ويرسم البرنامج، حتى يبدو التصور النظري - في صورته النهائية - جميلا وجذابا، خاصة حين يتم عرضه في جداول، ورسوم بيانية، ما يوحي إلى قارئه أو من يعرض عليه بجودته، وإمكانية نجاح تنفيذه.
برامج التنمية هي الأساس الذي يبنى عليه، سواء كانت ذات طابع اقتصادي أو تربوي أو اجتماعي، ترتبط ارتباطا قويا، ومباشرا بالسلوك البشري، والقيم، والعادات، والتقاليد، إضافة إلى الثقافة العامة للوطن، وإغفال هذه العناصر يترتب عليه فشل البرنامج التنموي، أو على أقل تقدير تعثره، والسبب الرئيس للتعثر قد لا يكون واضحا للجهة القائمة على البرنامج التنموي، فعدم إدراك أهمية المكونات الاجتماعية، وطريقة تسويق البرنامج، ولكونه نجح في مكان آخر - مغريات تدعو إلى تجريبه في مجتمع، حتى لو كان مختلفا بكامله عن المجتمع الآخر الذي نجح فيه.
من المتعارف عليه أن لكل برنامج نظرية يبنى عليها، بحيث تكون الإجراءات والعمليات في الميدان متسقة بشكل أو بآخر، ومرتبطة بالنظرية وأبعادها، حتى إن المتأمل في النظرية يجدها متماسكة، وتوجد علاقات منطقية بين مكوناتها وعناصرها، إلا أن المفاجأة هي فشل البرنامج، وعدم القدرة على تنفيذه على أرض الواقع وفي الميدان. ولنضع النقاط على الحروف بشأن أسباب الفشل المحتملة ووفق دراسات، تناولت برامج تنمية تبين أن قناعة أفراد المجتمع بالبرنامج التنموي، خاصة إذا شعر الناس بأن البرنامج يتعارض مع المبادئ التي يعتقدونها، لذا يلزم في مثل هذه الحالة تهيئة الناس وتوعيتهم بشأن البرنامج، من خلال ورش عمل، وبرامج إعلامية، إضافة إلى توظيف أفراد قريبين من الوسط الاجتماعي، ويعرفون كيف يمكن إقناع المجتمع، من خلال استمالة المؤثرين ليقتنع الناس بما يدعون إليه، كما أن الشفافية والإجابة عن أسئلة الناس تزيد من ثقتهم بالقائمين على البرنامج، وتكشف قيمته في حياتهم والأجيال اللاحقة.
مستوى تعليم أفراد المجتمع له تأثيره؛ حيث كلما ارتفع مستوى التعليم، أدرك الناس قيمة البرنامج التنموي، ومن ثم المشاركة في تنفيذه، أو تشجيع الآخرين على تنفيذه، أو على أقل تقدير عدم معارضته، في حين أن محدودية تعليم أفراد المجتمع يترتب عليها عدم حماس الناس للمشاركة في البرنامج التنموي، حتى لو شاركوا فستكون المشاركة ضعيفة، وغير ذات جدوى لافتقاد الأفراد المعرفة المطلوبة والمهارات الجيدة.
إيمان أفراد المجتمع بالنظرية أو الأسس النظرية للبرنامج، يمثل دعما ضروريا لنجاح البرنامج، فعندما يشعر الناس بأن مصدر النظرية وأسسها الفلسفية غريبة، ويختلف في معتقده عن معتقد المجتمع الذي يستهدفه البرنامج - ستكون النتيجة عدم التجاوب مع البرنامج؛ لشعور الناس بالتهديد الذي يحمله البرنامج لهويتهم، طالما أن مرجعيته الفلسفية غريبة ومغايرة، ولا ينكر أحد أهمية الهوية في أي مجتمع؛ لما لها من دور في تماسك المجموعة، والحفاظ على كيانها، وكم من مجتمع حارب مشاريع تنموية ظنا من الناس أنها تهمش هويتهم وتتعارض معها، سواء كانت هوية دينية أو عرقية أو مناطقية.
كما أن الشعور بتهديد البرنامج التنموي مصالح أبناء المجتمع، أو تهديد فئة منهم - كما في الدول الإقطاعية - قد يحركهم للتصدي للمشروع والسعي إلى إفشاله، فلو كان البرنامج يستهدف توزيع أراض زراعية على الفلاحين، ما يجعلهم مستقلين عن ملاك المزارع الإقطاعيين، الذين يعمل لديهم الفلاحون فسيتصدى الإقطاعيون للبرنامج؛ لإيقافه حتى يستمر الفلاحون في العمل لديهم.
توافر الإمكانات المادية والبشرية اللازمة لتنفيذ البرنامج - أمر لابد من السعي إلى توفيره قبل بدء تنفيذ البرنامج، بدلا من تأجيل ذلك حتى بدئه، ما قد يسهم في عدم نجاحه، وانكفاء الناس عن دعمه، والمشاركة في تنفيذه متى ما كانت البداية متعثرة، وعكس ذلك يحدث لو تم تأمين ذلك من البداية، فستكون النتيجة الدعم الاجتماعي والحماس.

إنشرها