وجوب الحفاظ على استقلال مهنة القضاء عن المحاماة

|

سبق أن كتبت سلسلة عن موضوع الحوكمة القضائية وأهم مبادئها، التي كان من ضمنها مبدأ منع تعارض المصالح؛ وأود الحديث اليوم حول هذا المبدأ بطريقة أخرى لأهميته في رأيي، مع التأكيد على المستوى العالي لنزاهة قضائنا وقضاتنا ولله الحمد، إلا أن هذا لا يمنع من مزيد التطوير.
من الجوانب المعروفة في هذا السياق؛ مراقبة علاقة القاضي مع الخصوم سواء بالقرابة أو المودة أو الخصومة وهكذا، وهذا عالجه نظام المرافعات الشرعية المادة 94 بشكل غير مفصل، إلا أن مجرد وجود مصلحة للقاضي في القضية بشكل عام يمنع نظره لها، وركز النظام على العلاقة بين القاضي والخصوم فقط، ولم يتحدث عن العلاقة بين القاضي والمحامين الذين يمثلون الخصوم، وأحيانا خطورة العلاقة بين المحامي والقاضي أشد خطرا من العلاقة مع الخصوم، كون المحامي يعمل باستمرار في هذا المجال بينما الخصوم لهم مصالح محددة وتنتهي، الأمر الذي تجب معالجته بشكل عاجل في رأيي لأهميته وحساسيته، ولذا رغبت في الحديث عنه بتفصيل.
الحقيقة أن هذا الباب من أكثر الأبواب المقلقة، نظرا لعدم وجود نصوص نظامية أو لوائح تراقب وتضبط هذا الجانب بشكل حديث يمنع أي احتمال وجود مصالح. فمثلا؛ عندما تكون هناك علاقة صداقة ومعرفة بين القاضي وأحد المحامين المترافعين أمامه؛ فإنه يجب الإفصاح عن ذلك في نظري من خلال نموذج لضمان المساواة بين الخصوم "وهو أحد المبادئ القضائية العالمية ونص عليه النظام الأساسي للحكم" والشفافية في ذلك، ونعلم كثيرا أن عددا كبيرا من المحامين كانوا في الأصل قضاة أو درسوا مع قضاة، ولهم زملاء ما زالوا على رأس العمل، الأمر الذي يجب أن يكون مراقبا بشكل يضمن الحفاظ على مبادئ الحوكمة التي تمنع احتمال تعارض المصالح.
أمر آخر مهم في نفس الموضوع؛ هو عمل القضاة في أعمال استشارية خارج العمل القضائي، وهو بالطبع مضبوط من خلال المادة 51 من نظام القضاء، التي تمنع القاضي من العمل في وظيفة أخرى لا تتفق مع استقلال القضاء وكرامته، كما أعطت المجلس الأعلى للقضاء صلاحية منع القضاء من أي أعمال قد تؤثر في أدائه، الأمر الذي يستدعي سرعة تنظيم هذا الأمر، حيث إنه يجب ألا يشارك القضاة في تقديم الاستشارات القانونية والقضائية لغير الجهات الحكومية نهائيا، لما قد تؤدي إليه من احتمال تعارض المصالح المستقبلية أو الحالية، والأمر يزداد خطورة عندما يشارك القاضي في تقديم مشورة قضائية لأفراد أو مؤسسات خاصة حتى لو لم يترافعوا لديه، لما يفتحه من باب خطير قد يؤدي إلى الفساد ــ لا سمح الله ــ.
نلاحظ أن نظام المرافعات الشرعية المادة 94 فقرة "هـ" يمنع القاضي من نظر أي دعوى كان قد أفتى أو كتب فيها لأحد الخصوم، إلا أن هذا النص يحتاج أيضا إلى تطوير، كون المصالح ليست مقتصرة على مجرد العلاقة مع الخصوم فقط. فإن احتمال تعارض المصالح أكبر من ذلك بكثير.
الأمر المهم الأخير؛ ممارسة القاضي المتقاعد أو المستقيل للمحاماة يجب أن يتم تنظيمها عاجلا لضمان المساواة والعدالة بين الخصوم ومنع احتمال تعارض المصالح، ومعالجة ذلك لا يكفي فيه مجرد منع القاضي من نظر القضايا التي شارك فيها، حيث إن أقل الواجب منع القاضي من الترافع أمام المحكمة التي كان يعمل فيها مدة لا تقل عن ثلاث إلى خمس سنوات كما هو المعمول به في كثير من دول العالم، إضافة إلى بعض اللجان القضائية لدينا التي تأخذ بهذا المبدأ. لا شك أن قضاتنا يتمتعون بدرجة عالية من الكفاءة والنزاهة ولله الحمد، لكن وضع التنظيمات ومراقبتها واجب في كل مجالات الحياة، ولا تشكك في أي أحد بالطبع.

إنشرها