أسعار الفائدة والخشية من أزمة مالية عالمية

|

ثمة اتجاهان يسودان النقاش على صفحات الجرائد العالمية. الاتجاه الأول تشاؤمي المنحى. أصحابه يقولون إننا على أعتاب أزمة مالية عالمية جديدة.
الاتجاه الثاني يشوبه كثير من التفاؤل حيث يرى أصحابه أن الأزمات المالية العالمية أصبحت وراءنا بعد الإجراءات الاحتياطية التي اتخذتها البنوك المركزية والمصارف.
ويتركز جل النقاش حول رفع معدلات الفائدة من قبل البنك الفيدرالي الأمريكي. فبعد نحو عشر سنوات كانت فيها معدلات الفائدة شحيحة جدا، وهو ما شجع الأفراد والشركات على الاقتراض وزيادة الإنفاق، أخذ البنك الفيدرالي الأمريكي يرفع معدل الفائدة للحد من السيولة والحث على الإيداع بدلا من الإنفاق.
والخشية من وقوع أزمة اقتصادية جديدة كالتي ضربت الولايات المتحدة أولا ومن ثم أغلب الدول الصناعية الأخرى قد تكون في محلها. عندما وقعت الأزمة هذه في عام 2008، كادت أن تقلع النظام المصرفي العالمي من أساسه.
ولا يزال حتى يومنا هذا كثير من الأفراد والشركات والمؤسسات والحكومات وأسواق الأوراق المالية تقشعر أبدانها عند تذكيرها بالتبعات المأساوية التي أفرزتها.
ويقول المتشائمون، الذين يرون أن أزمة مالية جديدة ماثلة للعيان، إن رفع أسعار الفائدة من قبل البنك الفيدرالي الأمريكي منذ عام 2001 كان بمنزلة تعبيد الطريق لأزمة عام 2008. ومن هنا يرون أن الزيادة المطردة لأسعار الفائدة مؤشر على قرب وقوع أزمة جديدة.
وليس خافيا حتى على القارئ العادي الدور الكبير الذي تفعله أسعار الفائدة في الاقتصاد حتى على مستوى الأشخاص من الذين لا يقعون في خانة الأثرياء. إيداع 100 ألف دولار في مصرف معدل الفائدة لديه 7 في المائة سيكون أمرا مجزيا حتى في الدول الغنية لأنه سيعني ربح سبعة آلاف دولار في السنة.
بالطبع، هناك ضريبة على ريع الإيداع في المصارف الرئيسية في الدول الصناعية قد تصل أحيانا إلى 30 في المائة. ولكن هناك الكثير من الدول والمصارف التي تعمل في الظل قد تمنح معدلات فائدة أعلى والأرباح معفاة من الضرائب.
وهكذا نرى هجرة أو بالأحرى هروبا لرؤوس الأموال من المصارف الرئيسية إلى مصارف الظل وزيادة كبيرة في حسابات الظل. ومصارف وحسابات مثل هذه لم تعد صعبة المنال. فتحها والاستفادة منها لا يتطلب جهدا كبيرا لأن كثيرا من الدول حتى التي تدعي الشفافية والصرامة في تطبيق القوانين والقواعد المصرفية المرعية تشجعها.
مصارف الظل متوافرة حتى في بعض الدول الأوروبية ولكن ليس للمواطنين في البلد ذاته بل للأجانب من البلدان الأخرى.
قرض مبلغ 100 ألف دولار من مصرف رئيسي في السويد لن يكلف صاحبه أكثر من ألف دولار في السنة حسب معدلات الفائدة الحالية التي هي متدنية جدا. إيداع المبلغ ذاته في مصرف خارجي يعمل في الظل سيدر على صاحبه ربحا مجزيا.
أما المتفائلون فإنهم يؤكدون أن المصارف والحكومات قد تعلمت الدرس وأن التنبؤ بتكرار أزمة عام 2008 في غير محله. ويقولون إن المصارف صارت أكثر حيطة وحذرا وعليه فإن تعاملاتها تتسم بالأمان.
لقد فرضت البنوك المركزية إجراءات احتياطية أكثر حزما على المصارف. فبعد أن كان سقف الأمان من الاحتياطي مقابل القروض لا يتجاوز 2 في المائة، صار اليوم نحو 7 في المائة.
فمثلا، في السابق، أي قبل الأزمة في عام 2008، فإن هبوطا نسبته أكثر من 2 في المائة من قيمة الموجودات الضامنة للقرض، كان سيؤدي نظريا إلى محو السيولة لدى المصرف. الآن النسبة صارت أضعاف ذلك.
ويرى المتفائلون ميزة إيجابية أخرى لرفع أسعار الفائدة. معدلات الفائدة المنخفضة، حسب قولهم، تؤدي إلى استفحال ظاهرة الاستثمارات السيئة malinvestments التي لما كان من أثر لها لولا القروض المتيسرة والسهلة التي تقدمها المصارف وإن أي تصحيح لأسعار الفائدة سيؤدي إلى تعريتها.
في أي حال من الأحوال، سيكون هناك ضحايا كثر لارتفاع معدلات الفائدة حتى إن لم نكن على أعتاب أزمة مالية جديدة لأن كثيرا من الشركات والاستثمارات التي استندت إلى معدلات فائدة منخفضة قد لا يكون بمقدورها الاستمرار مع معدلات فائدة مرتفعة. وهذا ما حدث مع فقاعة الإنترنت أو فقاعة تكنولوجيات المعلومات في نهاية القرن الماضي.

إنشرها