هل وجود القلق في حياتنا أمر طبيعي؟

|

التوتر والقلق وما يصاحبهما من مشاعر هدامة ليست حديث الساعة، وليست آفة عصرنا هذا وحده، بل تعانيها البشرية منذ الأزل. وقد كتب عن ذلك كثيرون، وناقش أسبابها الأطباء والباحثون، وكلٌّ أدلى بدلوه في موضوع "التوتر" و"القلق" و"الضغوط"، ومدى تأثيرها في سعادة وصحة الناس. ورغم الكم الهائل من المناقشات والبحوث العلمية والدراسات حول هذه المشاعر السلبية، إلا أن أسبابها الحقيقية لم تتضح بعد، وما نرى ونسمع ونقرأ حول موضوع "التوتر" و"القلق" لا يخرج عن كونه مقترحات وظنونا واحتمالات، والعلاج لا يتعدى نصائح سلوكية عبثية، أو عقاقير نفسية ومسكنات، ضررها أكثر من نفعها.
ورغم ظهور "التوتر" و"القلق" في حياة الناس منذ فترة طويلة، إلا أنه يقال إن عصرنا هذا أكثر العصور عرضة لهذه المنغصات من أي وقت مضى. هذا الوباء الذي يحصد سنويا آلاف البشر بطريقة غير مباشرة، يظهر على هيئة ضغط دم، أو سكري، أو قرحة معدة، أو تضخم في الغدة الدرقية. هذه الأمراض المزمنة ليست سوى ظواهر للمشاعر الهدامة، التي تقف وراءها، والتي هي سبب شقائنا وتعاسة بعضنا، وسبب الإخفاق في العمل، وتقطع العلاقات الزوجية، والصراعات الاجتماعية والتنظيمية، بل إنها سبب المجاعات والحروب والإرهاب أيضا.
لو بحثت - عزيزي القارئ - في ماضيك وفتشت عن المشاكل والقطيعة والصراعات والإخفاقات التي مرت عليك، فستجد أن سببها المبطن هو "التوتر" و"القلق". فتش عن بعض الأمراض التي تعرضت لها ولم تجد لها علاجا، بل مسكنات، والتي يطلق عليها أمراضا مزمنة، تجد أن سببها الخفي "التوتر" و"القلق".
يرى الأطباء أن الأمراض المزمنة، التي ظهرت في حياة الناس في العصر الحديث، سببها نوعية الغذاء، أو قلة الحركة، أو التلوث. أما عامة الناس وبعض الفقهاء فيتهمون الشياطين، أو العين، أو الحسد. فيعتقدون أن داء السكري سببه العين، والحسد سبب رئيس لارتفاع ضغط الدم، والشياطين هي سبب تضخم الغدة الدرقية. ونتيجة لبعدنا كبشر عن أصل خلقتنا قمنا بصياغة موروثنا وبناء قيمنا على هذه الظنون. الأمثال والقيم والحكم التي رسخت في رؤوس الناس منذ بدء الخليقة كلها ظنون وضلال. من قال إنك لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبر؟ هذا كذب وافتراء، بل تستطيع أن تنال قمة المجد وأنت تعيش في سعادة لا حدود لها، وإشراق وجه لا أفول له، وفرح لا يغيب.
وأنا لا أنكر الغيبيات من وجود الشياطين وضرر العين وخطر الحسد، فهذه حقائق ذُكرت في القرآن الكريم وأحاديث الرسول محمد - صلى الله عليه وسلم -، إلا أنها مبرأة من كل ما ينسب إليها، فليست لها علاقة لا من قريب ولا من بعيد بأمراض العصر المزمنة، والمتهم الأول هو "التوتر" و"القلق" و"المشاعر الهدامة"، التي سمحنا لها بأن تدخل حياتنا.
يجب أن نعلم أن التوتر والقلق ليسا ضمن طبيعتنا البشرية، بل عادات ذميمة مكتسبة، وسلوكات مشينة دخيلة على حياتنا نحن البشر، فالله - سبحانه وتعالى - لم يخلقنا ليعذبنا، ولم يخلق لنا جهنم على الأرض، نحن من أتى بها. أصل خلقتنا أن نعيش من دون توتر، ومن دون قلق وصراع داخلي أو خارجي، ومن دون غضب. أصل خلقتنا أن ننام ونحن نترقب النعم التي تنتظرنا في غدنا، ننام وقلوبنا تطرب لشروق شمسنا، ولرؤية الماء يجري حولنا عذبا نميرا، ولسماع الصوت يأتي من خرير الساقية، من رنة المزمار، من لغو الطيور الشادية، كما وصف ذلك شاعر الحب أبو القاسم الشابي. هذا هو أصل خلقتنا، وهذه حياتنا التي يفترض أن نعيشها، فكيف وصلنا إلى هذه المرحلة الحرجة من تعذيب أنفسنا، وقمع الفرح المعسول داخلنا، وإخفات النور بين جوانحنا؟ حتى أعيادنا تحولت إلى ذكرى مريرة، ومناسبة حزينة يهرب منها الناس كما تهرب الخولة من سباع الغاب.
ورغم كل هذه المآسي التي يسببها لنا التوتر والقلق، إلا أن العلاج بسيط، والقضاء عليها أمر هين ويسير، نحتاج فقط إلى العودة إلى خلقنا الأول، إلى فطرتنا التي فطر الله الناس عليها. لو عشنا كما خلقنا ربنا، فلن نحتاج إلى مناسبات محدودة، وأعياد معدودة نفرح فيها وكفى، لأن أيامنا كلها ستكون أعيادا، وجل أوقاتنا ستكون فرحا وسرورا. نحتاج من العلماء أن يتتبعوا مسيرة البشرية منذ خلقها الله؛ لنعرف النقطة التي سمح فيها الناس للمشاعر الهدامة بدخول حياتهم، وتدمير منجزاتهم. موضوع "التوتر" هذا وما يرافقه من "قلق" و"وساوس" يحتاج بالفعل إلى وقفة جادة لمحاربته، فالذي نراه لا يتعدى اجتهادات فردية أو بحوثا ميدانية تنقصها المصداقية، أو تجارب تنقصها العقلانية، أو مؤلفات تمنع تداولها بعض الثقافات.
وأريد أن أختم فأقول إنه يجب علينا نحن جموع الورى، أن نتحرر من سطوة هذا الداء اللعين، ونسير كي نحاربه من الورى زمرا في إثرها زمر.

إنشرها