وماتت الشهري .. مرة أخرى المخاطر وليست الجودة

|

حادثتا وفاة لطفلين خلال أقل من شهر واحد، الأولى كانت وفاة أحد الأطفال في جدة مختنقا بعدما تم نسيانه في حافلة مدرسية، والثاني لطفلة تعرضت لصعق كهربائي أثناء تنزهها مع عائلتها، ومن هذا المنبر أرفع التعازي إلى أسرة الفقيدين، كما أن المقال يسعى ليثبت أن الخلل لم يكن مجرد موظف وقع في خطأ كارثي أو لم يقم بما يجب عليه القيام به، بل لأننا نواجه مشكلة إدارية عميقة أشرت إليها في مقال سابق، هي الإصرار على المضي قدما وفق نماذج إدارية عفى عليها الزمن ومن ذلك نظم إدارة الجودة، مع كل مصائبها، وأتحدى من هذا المنبر أي متخصص في نظم الجودة يثبت أنه يمكن -ومن خلال نظم الجودة فقط- تلافي مخاطر مثل هذه التي حدثت أو التي قد تحدث في المستقبل وهي تتبدل وتتغير، ذلك أن إحدى أخطر مشكلات نظم الجودة هي أنها تأتي كردة فعل وليس كمبادرات، كمؤشرات أداء قد انتهت وليس كمؤشرات أخطاء قد تقع. كل تقارير مؤشرات الأداء تخبرنا عن ماض، لكن لن تخبرنا أبدا عن مستقبل، والمخاطر تقبع هناك مع الأسف. مشكلتي مع الجودة أنها عمياء، لا تريدنا أن نرى أو نسمع أو نقرأ ما نريد بالضبط، حتى عندما تذهب بعيدا في فهم رضا العميل، والمواصفات الجيدة للمنتج فإن كل الإجراءات بعد ذلك هي فقط للوصول إلى تلك النقطة فقط، ما المخاطر المتجددة والمتجذرة؟ كيف أن العمال تغيروا وغيروا، كيف أن المستقبل لم يعد يناسب الحال؟ حتى لو كنا بالأمس فقط اعتمدنا وحصلنا على جائزة الجودة، لهذا أقول الجودة عمياء، كمثل الساقية والحمار التي أشرت إليها في مقال سابق، فالرجل الذي وضع الحمار ووضع الساقية بذل أقصى جهد للحصول على أكبر كمية من الماء في أسرع وقت ممكن من خلال اختيار الأدوات المناسبة وربطها معا بشكل صحيح، ومنع أي معوقات تعرقل عمل الساقية أو حركة الحمار، وجلب أفضل حمار في المدينة، ثم ربط في عنقه أفضل الأجراس ليراقب حركته إذا توقف، كل ذلك من أجل تحقيق هدف رفع الماء، وفي نهاية اليوم يقيس ويقارن كم رفع من الماء مع ما رفعه بالأمس، ليبذل غدا جهدا أفضل، هكذا تتحدث الجودة هكذا أقنعت العالم، لكن الجودة تقتضي أن يجلس الرجل في مقعده يترقب التقارير ويستمتع بصوت جرس الحمار وإذا توقف نهض، لكن لن يتنبه أبدا إذا بقي الجرس يرن والساقية تعمل، إلا بعد أن تقع الكارثة، بينما المياه تتلوث وتسمم الناس، أو إذا اقتربت الحيوانات الخطرة من حماره إلا بعد أن يفوت أوان إنقاذه، لن يتنبه للسيل القادم مع العاصفة البعيدة إلا إذا جرف كل شيء، كل ذلك لن تخبره التقارير به وهو في مكتبه طالما تلك التقارير معدة مسبقا لهدف مخصص، المخاطر ليست كذلك، ونحن في زمنها. في قضية وفاة طفل الحافلة تنص إجراءات الجودة العمياء على عرض شريط فيديو أمام الطلاب عن كيفية وقوف الحافلة وركوب الطلاب ونزولهم، وإجراء تجربة ركوب ونزول الطلاب، والتأكد من رؤية السائق للطالب عند النزول، ومغادرة الطالب موقع النزول قبل تحرك الحافلة، ومع ذلك توفي الطالب من موضوع مختلف تماما لم تكتبه إجراءات الجودة، مات مختنقا داخل السيارة ومات ولم يشعر به أحد، وقبله ماتت طالبات لأن شيئا ما التقط العباءة أثناء تحرك السيارة، هذه الإجراءات كلها لن تتصور وجود خطر اعتداء على الطالب من السائق مثلا، أو خطر تعرض السائق أثناء القيادة للأزمات، أو الكثير والكثير من الأخطار، ولكن عندما يحدث أحد هذه الأخطار الكبرى وتعرض الأطفال للموت تتحرك الجودة لتضيف إجراء جديدا، هكذا هي العمياء بعد أن تسقط. في قضية فتاة الشهري بالمجاردة -رحمها الله-فإن نظرية الحمار في الساقية واضحة جدا، الجميع وضع كل ما يستطيع لجعل شارع الفن جميلا وجاذبا، كل من جانبه أدى ما عليه تقريبا، وفقا لكل إجراءات الجودة التي كتبت لهم، كل تقاير الجودة "إذا كانت هناك" ترسل رسائل عن استكمال جميع العناصر اللازمة حتى تقارير النظافة، لكن لا أحد "ولا أي مدير مطلقا" كان يسير في الشارع كل يوم ليس ليتنفس ويراقب عماله يؤدون إجراءات الجودة، بل ليرى ما المخاطر التي استجدت، لم يكن هنا في كل نظم الجودة ولن يكون هنا ما يسمى السير يوميا واجتماعات العصف الذهني المستمرة بين فرق العمل للبحث عما يستجد من مخاطر. يجب ألا يفهم من كلامي أنني ضد إجراءات الجودة مطلقا، أو أنني ضد وضع المعايير وقوائم الإجراءات، بل معها تماما ومع وضع المواصفات القياسية، ولكن ضد الإدارة من خلالها، هذا ما أنادي به، أنا ضد الإدارة من خلال الجودة، الجودة مجرد مؤشر ضمن مؤشرات كثيرة، حصول أي هيئة أو مؤسسة على الاعتماد أو شهادات الجودة هو مجرد مؤشر، لكن لا تثق بها تماما فالأخطار هناك قابعة، يجب على كل مدير أن يضع خططه لحماية الأهداف وفقا للعصف الذهني المتجدد والإبداع المستمر والابتكار لمواجهة كل التوقعات الممكنة التي تحيط وتهدد الهدف، الإداري المتميز كثير الحركة كثير القراءة كثير التأمل، وطالما نحن نجلس كصاحب حمار الساقية نستمع للجرس وننتظر التقارير فإن الموت يتربص بأبنائنا في كل مكان وبصور شتى.

إنشرها