تقييم مكامن القوة في الاقتصاد السعودي

|
ينتقد البعض سرعة التغيير التي تحصل في ملامح الاقتصاد السعودي، وفي تناقض عجيب يطالب متعجلا بالنتائج. كما يجب أن تكون الإصلاحات على وتيرة متناسقة، ينبغي أن تكون المراقبة والتحليلات كذلك. لا يخفى على أحد أن الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة التي يحظى بها الاقتصاد السعودي ليست في الأساس حلولا مؤقتة أو شكلية، وإنما تمثل تطورا استراتيجيا في إدارة الاقتصاد السعودي وبناء ملامحه للعقود المقبلة، فلم يجتمع من قبل هذا التنوع من الحلول والتغييرات والأدوات التي يتم تفعيلها حاليا لإدارة دفة اقتصاد اليوم والمستقبل. في طريق الحل، من الطبيعي أن نرى المعالجات المباشرة السريعة والأخرى المتوسطة والطويلة المدى؛ وتقييمنا للنتائج يجب أن يكون بناء على هذا الأساس، فلا نبحث عن نتيجة سريعة لمعالجة متأنية ولا تأثير استراتيجي لخطوة محددة ومعزولة. ولمن يبحث عن المؤشرات الإيجابية التي تبعث على الارتياح -أو مواطن الضعف التي تستحق النقد- أقول له انظر أولا إلى المؤشرات النوعية قبل الكمية، فالمؤشرات التقليدية لا تعكس إلا جزءا من الحقيقة. هناك فرق كبير بين إدراك المتغيرات الاقتصادية لغرض القيام بصفقة استثمارية، وبين فهم الظروف الاقتصادية المحيطة بعملية تجديد تنموية تاريخية واسعة النطاق. متابعة المؤشرات الاقتصادية التقليدية ضرورة وأساس، ولكن أثناء إجراء تغييرات جذرية على السياسات والاستراتيجيات الوطنية ينبغي النظر كذلك إلى مجموعة من المؤشرات المبتكرة والمتخصصة التي تعكس الجوانب الكلية الأخرى. من المؤشرات النوعية التي تكمل نظرة التقييم للاقتصاد السعودي، النظر في مستوى تغير المهارات التي تملكها المواهب الوطنية. معدل التغيير في مهارات التواصل والمهارات المهنية قد ارتفع على المستوى الشخصي في العقود الأخيرة ونال قفزات استثنائية في السنوات الخمس الأخيرة خصوصا بعد قدوم أفواج المبتعثين ونمو مؤسسات التعليم العالي في المملكة وتطور الهيئات المهنية ورفع مستوى تطلعاتها وآلياتها على مستوى الوطن. ومن جانب آخر يمكننا النظر في التوزيع الجغرافي والديموغرافي للقوى العاملة ومدى تحسن البنى التحتية خارج المدن الكبرى، ومن هذا انطلاق وتوسعة شبكات السكك الحديدية وبقية وسائل النقل وما إلى ذلك من أثر في تنويع الفرص وإتاحتها وتغير ديناميكية الحياة في الأماكن الجديدة. وبالطبع تعد المشاريع الضخمة مثل نيوم والقدية مراكز جذب وبؤرا لتحريك الإنتاجية في محيطها. المؤشر المهم الآخر يرتبط بوجود المحتوى العلمي والإبداعي كمطلب أساسي لعدة طبقات من القدرة الإنتاجية، في السنوات الأخيرة باتت الجامعات محركا فعالا للاقتصاد في كثير من المدن حول العالم، ونحن بالطبع لم نصل لهذه المرحلة بعد، ولكن هذا ما ينبغي تقييمه على أرض الواقع. يمتعض البعض عند رؤية بعض التفاعلات الاقتصادية السلبية المؤقتة -سواء كانت ناتجة عن مؤثرات داخلية أو خارجية- وهذا يحدث عندما يعزلها عن واقع التحسن في إزالة التشوهات وتنقية المدخلات وإدارة المؤثرات بما يخدم الإنتاج الوطني الاقتصادي ويعزز القوة والثبات. ستصبح الصورة قاصرة أكثر إذا حاولنا على سبيل المثال المبالغة في تفسير مؤشرات البطالة والتضخم أو تأثر بعض القطاعات، في عزلة عن بقية المؤشرات النوعية والكمية الأخرى. إجمالا، تشمل مؤهلات الاقتصاد السعودي من القوة والضعف الكثير، مثلها مثل أي اقتصاد آخر. المبشر أن فرص المستقبل اليوم أكثر اتزانا باعتبار أنها تتحقق بعد عدة دورات من الإصلاح والتصحيح. وعلى الرغم من أننا نعرف أن تنويع مصادر الدخل على سبيل المثال لا يزال تحديا كبيرا، غير أننا نعرف كذلك أن الطريق نحو تجاوز هذا التحدي أصبح ممهدا بشكل أفضل من السابق، سواء بالقدرات البشرية أو بعد موجات الإصلاحات الهيكلية المهمة، وكذلك أننا نعيش اليوم في ضغط التصحيح بلا أزمات والحمد لله، فالضبط ظاهر باتزان، وأدوات المسؤولين عن تنفيذ البرامج الاقتصادية كثيرة وفاعلة أكثر من أي وقت مضى، وهذا في حد ذاته من أفضل مؤشرات الاقتصاد السعودي وعلامات تحسنه.
إنشرها