إفلاس ليمان .. ذكرى بين الأبيض والأسود

|
مرت عشر سنوات على إعلان إفلاس مصرف "ليمان براذرز" الأمريكي. الإفلاس الذي دشن الأزمة المالية العالمية عام 2008، الأزمة التي يصفها بعضهم بالأعظم في التاريخ. اختفت خلال أشهر عشرات الملايين من الوظائف وتريليونات الدولارات من الأسواق العالمية، وعمت الفوضى الاقتصادية أرجاء الكون. لا يتمنى أحد الوجود في حالة الفوضى ولا أن يكتشف مفاجآت مقلقة ولا أن يعيش في سياق أزمة مالية لا يعرف متى ستنتهي، لا على مستوى الدول ولا الأفراد. ولكن هل ذكرى الأزمة العالمية بكل ما تحمله من قصص ومفاجآت وتعقيدات، تعد ذكرى تعيسة أم مبهجة؟ هل كانت أحداثها وتبعاتها أوضاعا مزعجة يجب التخطيط لتفاديها والابتعاد عنها بقدر المستطاع، أم كانت ظروفا مناسبة لاكتساب الفرص وتجديد المحافظ وإصلاح العيوب؟ لا تخلو تجربة الأزمة الاقتصادية الشديدة من الصدمة، والصدمة تستوجب التوقف والتنبه. وهذا ما يجعل الإصلاحات، التي تحدث بعد الأزمات أكبر قدرا وأكثر تأثيرا من الإصلاحات التي تتبع التباطؤ الاقتصادي أو الخسارة التي تأخذ وقتا من الزمن. مشكلة الأزمات المالية، أنها على قدر عظمة دروسها وفوائدها تأكل الأخضر واليابس ولا تعرف الطيبين من الأشرار. من أشهر ضحاياها متوسطو الدخل الذين يسقطون في حفر الفقر لندرة الوظائف، والمتقاعدون الذين يخسرون مدخراتهم بعد سنين طويلة بسبب دورة اقتصادية واحدة! سأسرد مجموعة من الدروس والفوائد التي غيرت العالم بعد الأزمة الأخيرة. وقبل أن أقوم بذلك أذكر بأننا اليوم نعيش إرهاصات أزمة عالمية جديدة يحذر منها بعضنا، تحديدا بعد استمرار النمو في الأسواق الأمريكية. ولكن يظل التنبؤ بالأزمات ضربا من المستحيل، إذ تظل متابعة المؤشرات وأخذ الاحترازات أكثر واقعية وأقرب للإجراءات المعقولة من الحديث بلا بينة. المشاهد أن معظم الدروس المستفادة من الأزمة تجري من خلال دورة مستمرة تتكون من: 1) انتباه وتفاعل قوي من الجهات التنظيمية والإشرافية. 2) متابعة من المستثمرين ومديري الأعمال. 3) تحليل ومتابعة من المراقبين والأكاديميين، وذلك بدون ترتيب إذ قد يبدأ أحد الأطراف في التحرك قبل الآخر ثم يتفاعل معه الآخرون. في الدرس الأول بعد الأزمة نجد أنها أصبحت حاضرة في مخيلة الناس أكثر من السابق، ما يساعد إلى حد ما على الاستعداد لمثيلاتها. في السابق كانت الأزمات تأخذ الناس على حين غرة، بينما اليوم ومع سرعة تناقل المعلومة والزخم التقني الذي يسهل الوصول لها والرجوع إليها أصبحت الأزمة حاضرة قبل أن تحدث. وهذا ساعد كذلك على رفع الوعي الاقتصادي ما ساعد على اندماج التحركات الاستثمارية مع الدورات الاقتصادية بشكل أفضل، فتتنوع الاستثمارات تفاديا للأزمات وتذهب رؤوس الأموال إلى المكامن الآمنة في توقيت أفضل وتحدث الدول من أنظمتها في وقت سريع نسبيا. وبالطبع ساعدت الأزمة على تقوية آليات الإشراف على الأعمال وعلى المؤسسات المالية تحديدا. ولا أتحدث هنا عن الأنظمة الجديدة فقط، بل عن طريقة إصدار وتحديث هذه الأنظمة ومتابعة تنفيذها، وهذا شمل توسيع دائرة من يمكن مراقبتهم أو الجهات التي يتم الإشراف عليها. حيث كانت تفلت عديد من الأعمال في السابق بلا حسيب أو رقيب بسبب تراخي الجهات التنظيمية، وهذا الإفلات لم يعد بعد الأزمة كما كان قبلها. ساعدت الأزمة على إجراء عديد من الإصلاحات الهيكلية لدى المؤسسات المشرفة على المصارف على المستوى الدولي، إذا كان ذلك ضروريا لتقويتها وتعزيز إمكاناتها حسب الأدوار المتوقعة منها مع التقليل من التعارضات بشكل معقول. كما حفزت على استكشاف سيناريوهات جديدة أو فهم سيناريوهات سابقة بشكل غير مسبوق، إذ كونت مزيجا غنيا من المحتوى غير المستكشف للباحثين في مختلف العلوم وتحديدا الاجتماعية والسلوكية. وأما تطبيقيا، تم الحد من تعرض المؤسسات المالية للقروض وتقنين تداول الدين وحقوق التحصيل ما أثر في متطلبات وأساليب إدارة السيولة في هذه المؤسسات. وحفزت الأنظمة كذلك عددا من الممارسات والمعايير الجيدة والمثيرة للجدل أحيانا. فتعززت قواعد الحكومة ـــ وهذا دأب المنظمين بعد الأزمات، إذ يبحثون عن متطلبات "الضبط" بعد الفوضى ـــ وتجددت بعض المعايير المحاسبية (مثل معيار التقرير المالي الدولي رقم 9)، وتزايدت متطلبات الإفصاح بجميع أنواعه، المالي وغير المالي. تنشط الأزمات أفضل فترات التصحيح والإصلاح، وهي بلا شك مراحل إيجابية في تاريخ الممارسات الاقتصادية وقد تكون المدخل الوحيد المؤثر لتحسين حياة الناس بطريقة فعالة وسريعة. ولكن لا أرى ذكراها مبهجة، خصوصا أن الخسارة فيها تلحق الضعيف والقوي والمذنب والبريء.
إنشرها