هل تتوقف الدبلوماسية التقليدية أمام الدبلوماسية الشعبية؟ «2 من 2»

|
أصبح العالم اليوم أكثر تعقيدا بفعل صعود الفاعلين من غير الحكومات في قضايا الأمن الدولي، وتأثير السياسة الداخلية للدولة وقدرتها ووزنها الدولي، ووجود أصوات وعوامل من خارج الحكومات، ويؤكد ذلك أن انخراط الدولة في أنماط تفاعل يومية ومتواصلة مع الكيانات الأخرى، سواء حكومات أو غير حكومات، يؤدي إلى خلخلة متصلة في بناه الأساسية وتوسع قد يتحول إلى هلهلة، وتصبح مهمة هذا الكيان لا منع الخلخلة والتوسع الزائد في أنساقه الفرعية الدائمة التي يتشكل منها، بل جعل هذه الخلخلة، تدور في حدود مقبولة تحول دون انهيار الدولة. كل هذا يعني أنه أصبح من الصعب على نحو متزايد عمل الدبلوماسية التقليدية. ولا شك أن مكونات الدولة نفسها تؤثر إلزاما في صنع سياستها الخارجية، وبالتالي فإن التأثير في تلك المكونات، يعد تأثيرا في السياسة الخارجية ولو بشكل غير مباشر، إذ هناك توازن قوى داخل الدولة نفسها تسمح بإعادة توزيع "ثقل الاختراق" للدولة. ومع تطور الأدوات وتسارع الأحداث الدولية وتعقيدها، داخل الدولة الواحدة، الذي هز ما يسمى مفهوم السيادة الوطنية، لتصبح المنظومة الدولية في نسق جديد يسمح لبعض الدول بالولوج إليها، ليس فقط عبر القنوات الرسمية الحكومية، بل عبر أدوات أخرى داخلية سارعت في بزوغ مصطلح جديد في العلاقات الدولية يسمى triplomacy "التربلوماسي"، الذي يقوم على توظيف مؤسسات المجتمع المدني، بأشكالها المختلفة، داخل الدولة نفسها بهدف إحداث تغيير في البنية الداخلية للدول الأخرى التي ترتبط معها بمصالح محددة، على نحو يضمن تغيرا في سياستها الخارجية يخدم تلك المصالح. وقد أحدث هذا المصطلح عدد من العلماء والمدارس، مثل مدرسة فليتشر، التي ترى أن التربلوماسي triplomacy يأتي عبر ثلاثية الأمن والطاقة والبيئة. لكن التساؤل هو: هل التربلوماسي هو امتداد للدبلوماسية مع توسيع أدواتها وأبعادها؟ أم هو شكل جديد آخر يتناول منحى مفاهيميا مختلفا؟ هل التربلوماسي اتجاه أم نزعة في عالم العلاقات الدولية؟ لا بد إذن أن هذا التعقيد الذي يؤثر في بنية النظام الدولي، قد يؤطر إلى أفول النظام الدولي القديم، وقد تدخل معايير كثيرة يمكن من خلالها تحديد التوجه المستقبلي، الذي يتفاعل مع مفهوم التربلوماسي ويتداخل معه في منظومة معقدة، تشمل عناصر جوهرية ومعايير، من أهمها: الفاعلون الرئيسون، صناع القرار الدولي، طبيعة العلاقات الدولية، دور المجتمع المدني، الاقتصاد، السيادة القومية، العلاقة بين الأمن الداخلي والخارجي للدول، مدى انتشار القيم العالمية، والنظام القانوني. لكن الثلاثي قد لا يتوقف هنا فقط، فهو يتحدث عن إدماج النخب الاقتصادية والثقافية في الدول والجمهور ومنظمات المجتمع المدني، وكيف يمكنها أن تلعب دورا في التأثير على الدول الأخرى في سياساتها الخارجية. لذلك، فإن التربلوماسية لا تتعامل مع المسارات الحكومية التقليدية للدبلوماسية أو حتى الدبلوماسية متعددة الأطراف، إنما تتخطى ذلك لتشمل الأطراف من خارج الحكومة كحد أدنى في المستويات الثلاثة التي تم الحديث عنها، وقد يشكل ذلك تدخلها، في عدد من القضايا، مثل قضايا حقوق الإنسان، التي اكتسبت معنى عابرا للثقافات، فقد كانت حقوق الفرد، تعد جزءا من الشؤون الداخلية للدولة، وينظر إليها على أنها من الأمور السيادية التي لا يحق للدول الأخرى التدخل فيها، وفي تقرير كيفية تعاملها مع مواطنيها.
إنشرها