الأحلام العظيمة .. شرط جوهري لبناء «الكاريزما»

|

ناقشت في سلسلة مقالات سابقة معنى كلمة "كاريزما"؟ وبينت أنها لا تولد مع الإنسان، بل هو من يصنعها إذا رغب فيها، وهي ليست حكرا على شخصية بعينها أو ظروف بذاتها، بل تعتمد اعتمادا كليا على رغبة الفرد في اكتسابها. وقد عرجت على الخطوات السبع لبناء "الكاريزما" التي ذكرها وليام كوهين صاحب كتاب "فن القيادة". ذكر كوهين سبع خطوات تمكن الفرد - أي فرد - من تكوين "الكاريزما"، وهي ما يطلق عليها "خطوات كوين السبع لاكتساب الكاريزما"، وسأكرر هذه الخطوات هنا مرة أخرى لأهميتها، وهي:
1. أظهر التزامك بأهدافك.
2. ارتد ما يتناسب مع دورك.
3. لتكن أحلامك كبيرة.
4. لا تتوقف عن السعي وراء أهدافك.
5. قم بواجباتك.
6. أحط نفسك بهالة من الغموض.
7. اتبع الأسلوب غير المباشر.
وقد ناقشت من قبل في مقالين متتاليين الخطوة الأولى وهي "إظهار الأهداف أمام الناس"، والخطوة الثانية وهي "ارتد ما يتناسب مع دورك كقائد". وفي هذا المقال سأناقش الخطوة الثالثة وهي "لتكن أحلامك كبيرة".
إذا كنت تريد أن تبني لك "كاريزما" فيجب أن تظهر لأتباعك عظمة أحلامك، وبعد طموحات وقوة أهدافك. عليك أن تضع لمن معك أهدافا جسورة فيها كثير من التحدي. والأهداف الجسورة - كما بينها بوراس في كتابه "البناء من أجل البقاء" - هي مشروعات تتسم بالمخاطرة، تجعل العاملين ينغمسون فيها، فهي تمد أيديها وتجذبهم إلى خضمها، وهي ملموسة ومنشطة ومركزة بصورة شديدة، كما أن الناس يفهمونها بسرعة ولا يحتاجون سوى إلى قليل من الشرح أو لا يحتاجون إليه أصلا في فهمها.
الأهداف الجسورة توقد الهمة في قلوب الناس، ويعجب الأتباع بالقائد الذي يضع أهدافا عظيمة. يقول كوهين "ليس هناك من يرغب في العمل بجد والتضحية من أجل أهداف وضيعة أو صغيرة، فبإمكان أي شخص أن يصل إلى مثل تلك الأهداف بسهولة وتحقيقها، فهي لا تعني شيئا للأتباع ولا تحقق لهم أي متعة". الفرد يريد أن يشعر بالتميز وتحقيق الذات، وهذا من ضمن الحاجات التي بينها ماسلو في هرمه، هرم الحاجات. والتميز في نظر الفرد يعني أن يحقق ويحصل على أشياء لا يستطيع الحصول عليها غالبية الناس، فالأهداف الجسورة والأحلام العظيمة تروي حاجة في نفوس الأتباع، ما ينعكس على شخصية القائد، لذا فهي من الأساسيات لبناء الشخصية القيادية "الكاريزما".
دعونا نضرب مثالا لإحدى الشخصيات القيادية التي استخدمت الأهداف الجسورة في بناء "الكاريزما". إنه وليام آلان رئيس شركة بوينج. قام وليام بتحدي الصعاب وتعيين عدة أهداف جسورة متتابعة لأتباعه، آخرها الهدف المتمثل في صناعة الطائرة 747 العملاقة، وهو القرار الذي كاد أن يقضي على الشركة. فقد قرر وليام أن تقوم "بوينج" بصناعة طائرة تقطع المحيط الأطلسي ما بين نيويورك ولندن دون توقف، وقد كان هذا حلما يصعب تحقيقه في ستينيات القرن الماضي. وقد واجه وليام كثيرا من النقد والتخويف من داخل الشركة وخارجها، ومنهم أفراد في مجلس الإدارة. ففي اجتماع مجلس الإدارة الحاسم عام 1965 قال أحد أعضاء مجلس الإدارة "إذا لم ينجح برنامج الـ747، فإن بإمكاننا دائما أن نتراجع"، فرد عليه وليام قائلا "نتراجع! إذا قالت «بوينج» إنها ستصنع طائرة، فإنها ستصنعها حتى إن استنفدت جميع موارد الشركة".
هذه العبارة أوقدت حماس الأتباع، وأشعلت أنفسا، وأوقدت عقولا، والأهم أيضا أن الهدف أصبح واضحا لا غبار عليه، وهو صناعة طائرة 747. وقد ارتفعت شخصية وليام حتى قبل أن يتحقق الهدف الذي يقرب إلى المستحيل، لأن النجاح المنتظر لم يسجله لنفسه، فلم يتحدث ويقول "إذا قال وليام إنه سيصنع طائرة، فإنه سيصنعها"، بل أخذ صيغة الجمع واسم الشركة، فقال "إذا قالت «بوينج» إنها ستصنع طائرة، فإنها ستصنعها".
فهذه العبارة تعني أن تحقق هذا الحلم الأسطوري يحسب لكل من يعمل في "بوينج"، سواء عمل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، وأصبح الكل يعمل من أجل إنجاز هذا الهدف الأقرب إلى المستحيل، ولا يهم تقاضى مبلغا أم لم يتقاض، حصل على علاوة أم ظل دونها. كيف وصل الأمر إلى هذا الولاء المنقطع النظير لـ "بوينج"؟ إنه الهدف العظيم الذي وضعه وليام آلان وانعكس بالتالي على شخصيته كقائد يتصف بـ "كاريزما".
بطبيعة الحال، لم يسلم الوضع من بعض المرجفين والمحبطين من خارج الشركة أيضا، فأثناء صناعة الطائرة قال أحد زوار الشركة "أتعلم يا آلان أن «بوينج» علقت كثيرا من الآمال وخاطرت بكثير من الأموال من أجل صناعة هذه الطائرة، فماذا ستفعل لو تحطمت أول طائرة منها أثناء إقلاعها".
وقد جاء رد وليام قائلا "من الأفضل أن أتحدث عن شيء أكثر ظرافة من وقوع طائرة تصنعها «بوينج». هل هناك مقولة أبلغ من هذه لبث الثقة في قلوب موظفي ومهندسي "بوينج"، وبرده هذا ألجم كل المحبطين والمرجفين، وكل من يريد أن ينتقص من هذا الهدف الجسور، وكأنه متأكد من تحقيقه رغم استحالة ذلك. وقد تحقق هذا الحلم في عالم الطيران التجاري، وحلقت معه شخصية وليام الآن، وبرقت شخصيته، وبنى له "كاريزما" بوضعه هدفا جسورا آمن به وسعى إلى تحقيقه.

إنشرها