سمسار العلاج الطبي وعقدة الأجنبي

|

أبو محمد رجل أعمال يناهز 60 عاما ويعد VIP يعاني انزلاقا غضروفيا في الظهر. وعنده ملف في ثلاثة مستشفيات حكومية، فحصه أفضل ثلاثة جراحي عظام ظهر وكلهم تطابقت آراؤهم على خطة العلاج، ونجاح العملية كان بنسبة عالية مما ظهر لهم في الأشعة “وما أتمنى ألا يكون عمل ثلاث إشاعات في كل مستشفى إشاعة، لأن هذا فيه ضرر إشعاعي كبير عليه، وقد تكون هذه ضريبة الـVIP” وأيضا الاختبار السريري. المشكلة عند أبي محمد أنهم كلهم أطباء سعوديون وهو لا يؤمن إلا بالأجنبي، رغم أن شهاداتهم كلهم أمريكية. طلب من مدير أعماله عاجلا أن يرتب له سفره إلى أي دولة أوروبية أو أمريكية ليتعالج هناك. وبسرعة البرق بدأ مدير أعماله التواصل مع بعض المكاتب الصحية التي ترتب مواعيد مع أطباء في أوروبا وأمريكا، وخلال أيام سافر أبو محمد خارج المملكة متأبطا أشعته وتقارير الأطباء المحليين “اللي كلهم ما ملوا عينه” إلى هذا الحد أعتقد أن أبا محمد لم يخطئ وله كامل الحق في أن يعالج في أي مكان ممكن، الخطأ عنده أعتقد في نظرته الدونية لأبناء بلده، الذي أحدهم حاصل على جوائز عالمية وحاصل على الزمالة الكندية والأمريكية وكان طبيبا لأعلى المسؤولين في البلد، إلا أن هذا كله لم يشفع له عند أبي محمد، لأن مشكلته الكبيرة أنه سعودي.
أخيرا وصل المطار واستقبله رجل عربي اسمه مصطفى “السمسار الطبي” يحاول بكل جهد ألا يتحدث العربية وكان أبو محمد وجهه يتلألأ بابتسامات وجميع آلامه زالت منذ لامست قدماه أرض الروم وقد جهز له مصطفى سيارة مرسيدس ونقله مباشرة إلى عيادة خاصة “خمس نجوم” وكل شيء كان أفخم مما يريد، إلا المستوى الصحي فكان يصعب الحكم عليه مبكرا. 
دخل عليه طبيب عيناه زرقاوان وشعره كله أبيض اسمه ديفيد، وبدأ أبو محمد الحديث بانتقاد المستوى الصحي في بلده وذم أبناء جلدته وأنهم عرب وصب جام غضبه عليهم متهما إياهم أن خبرتهم محدودة . طالع ديفيد الأشعة وقال “واو!” ضروري عمل إشاعات جديدة وعملية جراحية في أسرع وقت، وبدأ يتحدث عن خبرته وأنه مكتشف عملية جديدة للظهر. ابتهج صاحبنا ووافق على كل المقترحات دون تردد، وصاح في مدير أعماله “خذ الفيزا وسدد المطلوب مقدما”. وعمل الأشعة و”عملية المبتكر” التي للأسف تكللت بالفشل والشلل لأبي محمد... . 
هذه قصة تتكرر مع اختلاف السيناريوهات. نصيحة بسيطة ومختصرة، إذا لم تثق بعلم الطبيب السعودي فأرجوك أن تثق بأمانته فقط. اطلب منه أن يختار لك الأفضل عالميا، غالبا سيكون من الأفضل، لأن الأطباء يعرفون بعضهم جيدا. واذهب بتقرير طبي من ابن البلد، فسيعكس ذلك مدى قدرات زملائنا الأطباء عن أطباء الخارج وسيعتني بك أكثر ذلك الطبيب، لأن زميله تحدث إليه، وسيزداد حرصا وتزداد ثقتك أنت أكثر في الطبيب السعودي، وهذا أفضل علاج لمرض عقدة الأجنبي.
شكرا لكم زملائي الأطباء السعوديين، لقد حصلتم على أعلى الشهادات العالمية وتوجتم بأعلى الجوائز الطبية وطلبت من بعضكم مستشفيات أوروبا وأمريكا ألا تعودوا إلى وطنكم وأغروكم بالجنسية والمنصب والمال “وأنا أعرف قصصا واقعية ليس هذا مقام سردها”، فكل هذه المغريات تصاغرت عند كبرياء الوطن... إنها السعودية.
 

إنشرها