الأسواق العالمية .. وإمدادات النفط

|
في الآونة الأخيرة، شهدت أسواق النفط هدوءا، حيث خفت الاضطرابات في الإمدادات العالمية في وقت تباطأ فيه الطلب على النفط قليلا، وفقا لتقرير صدر حديثا عن وكالة الطاقة الدولية. لكن هذا الهدوء قد يكون مؤقتا فقط، حيث إن الأمور قد تزداد تعقيدا كلما اقتربنا من نهاية هذا العام. في الواقع، قد لا تكون الأمور قد هدأت هذا الصيف من جميع قطاعات الطاقة، كما وصفها تقرير وكالة الطاقة الدولية. فقد شهدت معظم مناطق العالم موجة حر شديدة ووصلت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، على سبيل المثال تشهد ولاية كاليفورنيا أسوأ حرائقها على الإطلاق، كما تحترق محاصيل القمح والذرة في أجزاء مختلفة من العالم، من بين الكوارث الأخرى المرتبطة بالمناخ. لم ينج قطاع الطاقة من هذه الموجة. فقد اضطرت محطات الطاقة النووية في أوروبا إلى التوقف لأن مستويات الأنهار منخفضة للغاية بحيث لا تكفي لتبريد المفاعلات، كما أن موجات الحرارة في عدة أماكن من العالم قد حطمت شبكات الكهرباء. ومن المتوقع أن يكون عام 2018 رابع أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، حيث تجاوزته فقط السنوات الثلاث السابقة. مع ذلك، قالت الوكالة في تقريرها الأخير إن أسواق النفط شهدت أخيرا هدوءا. فقد انحسرت توقفات الإمدادات التي هزت الأسواق في وقت سابق من هذا الصيف بعض الشيء. حيث أعادت ليبيا إنتاجها جزئيا، أضافت المملكة وروسيا إمدادات جديدة. لم تعد المخاوف الحادة من نقص الإمدادات تهيمن على العناوين الرئيسة. كما تباطأ جانب الطلب في المعادلة، وهو تطور له نفس القدر من الأهمية. في الربع الأول من عام 2018، نما الطلب بمعدل كبير جدا بلغ 1.8 مليون برميل في اليوم. لكن هذا النمو تباطأ بشكل كبير إلى مليون برميل في اليوم فقط في الربعين الثاني والثالث. وقالت وكالة الطاقة الدولية إن السبب في التراجع الكبير في نمو الطلب يعود جزئيا إلى أن أرقام الطلب في الربعين الثاني والثالث تقارن بأرقام العام الماضي التي كانت عالية نوعا ما، ما يجعل الزيادة لهذا العام تبدو أقل. ففي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الأوروبية، انخفض الطلب في الربع الثاني على أساس سنوي. إلا أن بطء الطلب على النفط لا يمكن تفسيره ببساطة اعتمادا على الأرقام الإحصائية. حيث إن ارتفاع أسعار النفط ـ ارتفع سعر خام برنت بنحو 45 في المائة ـ قد بدأ في التأثير على الاستهلاك. في الولايات المتحدة، انخفض نمو الطلب إلى النصف من الربع الأول إلى الربع الثاني من هذا العام. وبأخذ جميع هذه التطورات بنظر الاعتبار، نلاحظ أن لدينا الآن فعلا فترة "تهدئة" في الأسواق، حيث هدأت قليلا فيها الحاجة الملحة إلى تعطل الإمدادات والضغط الناتج عن ارتفاع الطلب. على الجانب الهبوطي للأسواق، يمكن أن تؤدي الحرب التجارية المتصاعدة عالميا إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، وبالتالي انخفاض الطلب على النفط. في الوقت الحالي، تقول وكالة الطاقة الدولية إن الطلب سيعود إلى مستويات أقوى في عام 2019، حيث قامت بتنقيح توقعاتها لنمو الطلب في العام المقبل إلى 1.5 مليون برميل في اليوم، ارتفاعا من 1.4 مليون برميل في اليوم في تقريرها السابق. لكن الحرب التجارية يمكن أن تقوض هذا السيناريو. مع ذلك، فقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن فترة "التهدئة" قد تكون قصيرة الأجل فقط، مع اقتراب الصيف من نهايته، يمكن أن تصبح الأمور أكثر سخونة في أسواق النفط. السبب الرئيس للمشكلة في المستقبل هو الخسارة المحتملة لإمدادات النفط الإيرانية بسبب العقوبات الأمريكية. في هذا الصدد، قالت الوكالة "إن المخاطر التي تهدد استقرار الإمدادات التي ستنمو في وقت لاحق من هذا العام قد تتسبب في ارتفاع الأسعار". وحذرت الوكالة "عندما ننشر تقريرنا القادم في منتصف أيلول (سبتمبر)، سنكون على بعد ستة أسابيع فقط من الموعد النهائي الذي حددته الولايات المتحدة للمتعاملين مع إيران لوقف عمليات شراء النفط". لقد كانت التقديرات المحتملة لاضطرابات الإمدادات في إيران متباينة بشكل كبير، لكنها تقلصت في الآونة الأخيرة، مع استبعاد السيناريوهات المحتملة. ومع تباطؤ نمو إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة، وارتفاع الطلب، والانقطاعات التي تلوح في الأفق من فنزويلا وإيران، فإن الضغط على أسواق النفط يمكن أن يتزايد مع نهاية هذا العام. وخلصت الوكالة الدولية للطاقة إلى أن "العقوبات النفطية ضد إيران ستدخل حيز التنفيذ، وربما مع مشكلات الإنتاج في أماكن أخرى، قد يكون الحفاظ على الإمدادات العالمية صعبا للغاية وسيأتي على حساب الحفاظ على طاقات إنتاج احتياطية كافية". وبالتالي، يمكن أن تكون توقعات السوق أكثر سخونة في المرحلة القادمة مما هي عليه اليوم.
إنشرها