«فرزان» والركوب بالمجان

|

"سعود" وصديقه "جون" اتفقا منذ سنوات طويلة على القيام برحلات متواصلة لاكتشاف الأرض وكنوزها المدفونة لتنعم أسرتاهما بهذه الخيرات وتسهم في استقرارهما وتطويرهما، ولتضمن - بعد الله - للأجيال القادمة حياة كريمة ومستقرة. كلاهما ملتزمان بتكلفة هذه الرحلات وبينهما اتفاق واضح واحترام متبادل والتزام، ولأن سعود عربي أصيل من قلب الجزيرة العربية فمن الطبيعي أن الوفاء بالوعود ديدنه ومن صميم عقيدته التي لا يقبل المساس بها. في طريق إحدى رحلاتهما نحو المستقبل واكتشاف كنوزه المدفونة، استوقفهما رجل واستأذنهما أن يركب معهما بعدما علم وجهتهما الطموحة وتكلفة رحلاتهما، فوافقا أن يركب معهما وأن يلتزم بشروط الرحلة وقوانينها.
دب الشيطان في عروق "فرزان" ووسوس له الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء ألا يدفع تكلفة الرحلات وأن يتعذر في كل رحلة بعذر ما. استمرت الرحلات وبدأ "سعود" باكتشاف الكنوز بمساعدة صديقه "جون" ويشاركهما "فرزان" فيها، مع العلم أن "فرزان" لم يقم بأي مجهود يذكر في الحصول على هذه الكنوز، فلم يقد السيارة يوما ما، ولم يساعدهما قط في اكتشاف الطرق ولا في إعداد الطعام وتجهيز المكان وقت الراحة خلال هذه الرحلات الشاقة، ولا في الحفر لإخراج هذه الكنوز! يعتقد "فرزان" أن له من اسمه نصيب وأنه يتصف بالحكمة والذكاء، والمشكلة الكبرى تكمن أن لديه إيمانا كاملا أن له حقا في هذه الكنوز مساو لحق "سعود" الطموح وصديقه "جون" الملتزم بالاتفاقية!
والحقيقة أن "فرزان" ليس بحكيم ولا ذكي، إنما عالة، ووجوده في هذه الرحلات يشكل عبئا على الفريق ويقلل من إنتاجيته، بل يسعى جاهدا للتفرقة بين "سعود" وصديقه "جون" بنشر الشائعات تارة، وباختلاق القصص تارة أخرى. إذن "فرزان" ليس إلا راكبا بالمجان، يريد الاستفادة من النتائج والمكاسب التي يحققها الفريق دون مشاركته العمل والمسؤوليات! "الراكب بالمجان" مشكلة اقتصادية قد نراها بشكل يومي على مستوى الأفراد والمؤسسات، بل على مستوى الدول، وما "فرزان" إلا مثال لتوضيح الصورة للقارئ الكريم، الذي قد نجد منه نسخا مكررة في كل مكان وزمان. أسواق النفط جزء من هذا العالم ومشاكله، ومنها بلا شك مشكلة "الراكب بالمجان"، فمن هو الراكب بالمجان في هذا القطاع؟
النفط سلعة كأي سلعة أخرى يحكمها العرض والطلب، عندما يرتفع المعروض النفطي وتصاب الأسواق النفطية بتخمة تؤثر سلبا في توازنه وأسعاره، عندها يبدأ المنتجون في التفاوض لتخفيف وطأة هذه التخمة بتخفيض الإنتاج. الراكب بالمجان في هذه الحالة هو إحدى الدول المنتجة للنفط التي يهمها جدا كغيرها من المنتجين تخفيض الإنتاج كي تتوازن الأسواق وترتفع الأسعار، لكن في المقابل تحاول المراوغة جاهدة حتى لا تكون جزءا من أي اتفاقية لخفض الإنتاج، بحيث تكسب من ارتفاع الأسعار في حال خفض الآخرون إنتاجهم من النفط، وفي الوقت نفسه تكسب بحفاظها على حصتها السوقية وكمية إنتاجها، ما يعني زيادة إيراداتها النفطية. هذه المشكلة تتكرر من وقت إلى آخر في عالم النفط، ومن وجهة نظري يستحيل القضاء عليها تماما، لكن من الممكن تحجيمها بشكل كبير، وهذا ما قامت به السعودية، واسألوا "فرزان" الذي تركه "سعود" وصديقه "جون" على قارعة الطريق!

إنشرها