تراجع الأسعار الأخير مجرد تصحيح

|

إن أسواق النفط في حالة تشدد كبير، على الرغم من أن "أوبك" وحلفاءها من خارج المنظمة قد اتفقوا على زيادة الإنتاج بعد اجتماعهم الشهر الماضي. في هذا الصدد، قالت وكالة الطاقة الدولية، إن زيادة العرض من المملكة وحلفائها الخليجيين وروسيا مرحب بها للغاية، في ضوء سلسلة انقطاعات الإنتاج في مناطق كثيرة في العالم. مع ذلك انخفضت أسعار النفط بنحو 6 في المائة في يوم؛ بسبب أنباء تفيد بأن محطات تصدير النفط الليبي ستعود إلى العمل. وقالت الوكالة، إنه على الرغم من تحسن الوضع لا يمكننا أن نعرف إن كان الاستقرار سيعود. وبالفعل، فإن الانقطاع المفاجئ وغير المتوقع للصادرات الليبية على مدى الأسابيع القليلة الماضية يوضح درجة المخاطر التي تواجه أسواق النفط، وهذا يعني أنه إذا كانت أسعار النفط يمكن أن تتأرجح 6 في المائة في يوم معين بسبب أحداث محددة في بلد واحد غير مستقر إلى حد ما، فإن الأسواق فعلا في حالة تشدد كبير وضعيفة جدا.
وهناك بعض الانقطاعات الأخرى تضاف إلى هذا التشدد. فقد عانت كندا انقطاعات في الإنتاج بلغت 360 ألف برميل يوميا في حزيران (يونيو)، الذي كان يعتقد أنها ستستمر حتى تموز (يوليو)، ولكن الآن من المتوقع أن تمتد حتى أيلول (سبتمبر) أو تشرين الأول (أكتوبر). وفي أيار (مايو)، وصل انخفاض الإنتاج في بحر الشمال إلى أكثر من 350 ألف برميل يوميا، وهو انخفاض قد يستمر حتى نهاية الصيف بسبب الصيانة الموسمية للحقول. كما أن نمو الإنتاج في البرازيل كان مخيبا للآمال هذا العام، ولأن البرازيل إحدى أهم الدول غير الأعضاء في "أوبك" بعد الولايات المتحدة من حيث النمو المتوقع في الإنتاج، فإن أرقام النمو الأقل تترك السوق أشد من المتوقع.
وزادت السعودية وروسيا الإمدادات في حزيران (يونيو) مضيفة 500 ألف برميل يوميا معا، لكن الانقطاعات في ليبيا، كندا، بحر الشمال، البرازيل، أنجولا وكازاخستان عوضت المكاسب التي حققها أكبر منتجين في ائتلاف "أوبك". كما بدأت الولايات المتحدة بالفعل في عزل صادرات النفط الإيرانية، على الرغم من أن الموعد النهائي لتخفيض الدول لمشترياتها من النفط الإيراني لا يزال في تشرين الثاني (نوفمبر). بالفعل انخفضت صادرات إيران من النفط بمقدار 230 ألف برميل يوميا في حزيران (يونيو) مقارنة بالشهر السابق، كما خفضت المصافي الأوروبية مشترياتها 50 في المائة. الخطر الحقيقي على أسواق النفط هو إذا تم إيقاف جزء كبير من الإمدادات الإيرانية في هذا العام. هذه الثغرة الحالية تدعم أسعار النفط، ويبدو من المرجح أن تستمر في القيام بذلك.
من المحتمل أن يتم حل بعض مشكلات العرض هذه، لكن العدد الكبير من الاضطرابات يذكرنا بالضغوط على إمدادات النفط العالمية. وستصبح هذه القضية أكبر؛ حيث إن ارتفاع الإنتاج من دول الخليج العربية وروسيا، على الرغم من أنه مرحب به من قبل الأسواق، إلا أنه يأتي على حساب الطاقات الاحتياطية العالمية، التي قد تتشدد إلى أقصى حد.
في هذا الصدد، تقول وكالة الطاقة الدولية، إن هناك ثلاثة بلدان فقط من "أوبك" تمتلك بالفعل طاقات احتياطية متاحة بسهولة. لقد بلغت الطاقات الاحتياطية للمملكة والكويت والإمارات نحو 2.1 مليون برميل يوميا في حزيران (يونيو)، حسب الوكالة. ولكن لأن هذه البلدان تزيد الإنتاج، فإن الطاقات الاحتياطية لها من المتوقع أن تنخفض إلى 1.6 مليون برميل يوميا في تموز (يوليو).
في الربع الرابع من عام 2018، من المتوقع أن تؤثر العقوبات الأمريكية في إيران بقوة، وقد ينخفض الإنتاج الفنزويلي أكثر. للمساعدة على التعويض عن مزيد من الانخفاضات غير المخطط لها، والحد من عمليات السحب من المخزون، قد تزيد المملكة إنتاجها أكثر ما سيؤدي إلى خفض قدرتها الاحتياطية إلى مستوى غير مسبوق أقل من مليون برميل في اليوم، حسب الوكالة. وتضيف الوكالة، أننا لا نرى أي علامة على إنتاج أعلى من أي مكان آخر قد يخفف المخاوف من تشدد الأسواق.
في جانب الطلب، بدأت الأسواق تستشعر الأسعار العالية. لقد بدأ الطلب على النفط هذا العام بوتيرة سريعة؛ حيث ارتفع بمعدل مليوني برميل يوميا في الربع الأول، على أساس سنوي. وقد تباطأ هذا بشكل كبير. واعترفت الوكالة بأن ارتفاع الأسعار يهدد توقعات الطلب، لكنها لم تغير توقعاتها لهذا العام بأكمله. على الرغم من وجود علامات بارزة على انخفاض الثقة الاقتصادية، وعدم رضا من قبل المستهلكين من ارتفاع الأسعار، إلا أن الوكالة لا تزال تحتفظ برأيها أن النمو في 2018 سيكون 1.4 مليون برميل يوميا، وبالقدر نفسه في العام المقبل.
مع ذلك، لاحظت الوكالة عديدا من عوامل الخطر لهذه التوقعات؛ حيث يستند النمو في الطلب عند هذا المستوى إلى نمو اقتصادي قوي، وتفترض الوكالة نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي 3.9 في المائة. حرب التجارة العالمية التي تنتهجها إدارة ترمب يمكن أن تقلل من معدل النمو. يمكن أن يكون لزيادة التوترات التجارية أثر سلبي مباشر في النمو الاقتصادي، والطلب على وقود السفن والديزل الذي يستخدم في قطاع النقل التجاري. وقد تؤثر الرسوم الجمركية أيضا في تجارة النفط والمواد الخام والمنتجات البتروكيماوية، كما يشعر عديد من البلدان بوطأة ارتفاع أسعار النفط، خاصة إذا اقترنت بانخفاض قيمة عملتها المحلية مقابل الدولار الأمريكي. وتتوقع الوكالة أن يبلغ متوسط سعر خام برنت 73.50 دولار للبرميل هذا العام و73.60 دولار للبرميل عام 2019.
ومع ذلك، تهيمن مخاطر العرض على سيكولوجية أسواق النفط في الوقت الحالي. تراجعت أسعار النفط بعد أنباء عن عودة المعروض من ليبيا، لكن الأسعار انتعشت قليلا بعد أن حذرت وكالة الطاقة الدولية من تشدد السوق وانخفاض الطاقات الاحتياطية.

إنشرها