الحوكمة .. ومجالس الإدارات «2»

|
في العمود السابق، حاولت تأطير مسألة الحوكمة اقتصاديا، ثم تحدثت عن طبيعة العلاقة بين رئيس مجلس الإدارة والإدارة التنفيذية، وتجربة أمريكا من خلال عرض نتائج دراسة قامت بها جامعة ستانفورد في 2016. ظهر من الدراسة أن الفصل بين رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي توجه عام، خصوصا أن الفصل هو المعتاد في المملكة. موضوعيا، بدا أن الفصل بين الدورين أفضل؛ لثلاثة أسباب: السبب الأول: في الحاجة إلى تقدير مستقل لتحفيز ومكافأة الإدارة التنفيذية؛ إذ يصعب قبول أن تقرر الإدارة التنفيذية مستوى أدائها ومكافأتها. فزيادة المكافأة عادة تثير انتباه وحفيظة ملاك الأسهم؛ حيث أثبتت التجارب أن بعضها يأتي في اتجاه معاكس لأرباح الشركات، على الرغم من أن كثيرين يعرفون مدى المنافسة على جذب المواهب وأفضل الكوادر الإدارية الكفؤة. حين يكون رئيس مجلس الإدارة هو الرئيس التنفيذي، فإنه يقرر مكافأته، فرغم أن مجالس الإدارات تتطلب أعضاء لجنة مكافآت مستقلة، إلا أن رئيس مجلس الإدارة يستمر في ممارسة النفوذ عليهم في الغالب. السبب الثاني: أن "الحوكمة" أصبحت إحدى أهم مسؤوليات مجلس الإدارة، حيث الإشراف على عمليات الشركة، والتأكد من أنها تسير طبقا لتفويض وأغراض الشركة ومصالح الملاك. فحين تكون الإدارة التنفيذية مخولة بهذه الأدوار، يأتي الدمج ليسمح بالاستقلال أحيانا، بينما استقلالية مجلس الإدارة قد تسمح بمستوى رقابة أعلى وأوضح، وبالتالي الطلب من الإدارة العودة إلى التفويض والأغراض والأداء. السبب الثالث: الحاجة إلى استقلالية لجنة المراجعة، فعلى أثر فشل عدد من الشركات، أقر الكونجرس الأمريكي قانون ساربين - أوكسلي لاستقلالية أعضاء لجنة المراجعة ليكونوا من أعضاء مجلس الإدارة، لكن كون مجلس الإدارة هو من يقر تعيينهم، ما يحد من فعالية ودرجة الاستقلال العملي، وكذلك فيما يخص المبلغين عن التجاوزات الداخلية. العلاقة بين إدارة الشركة ومجلس الإدارة ستستمر من أهم الموضوعات للملاك والجهات التنظيمية والرقابية حتى الجهات العامة المسؤولة عن الاقتصاد وسلاسته في كل بلد. هناك محاولة للفصل من قبل بعض المستثمرين حتى في بعض الشركات الناجحة مثل "جي بي مورجان"، لكنها لم تنجح، بينما نجحت في شركة سابك للطاقة؛ بسبب الأداء الضعيف، والواضح أن هناك تزايدا للمطالبة بتعيين أعضاء مستقلين في مجلس الإدارة. كما أن هناك درجة من الإجماع بين المختصين حول أهمية دمج الدورين في شركة في مرحلة التأسيس، لكن لما تنجح وتكبر تكون جاهزة للفصل.. وهذا هو ما سأسلط عليه الضوء في العمود الثالث والأخير. فالظروف الموضوعية لدينا في المملكة مختلفة في سلم الزمن والتجربة والحالة الاقتصادية والثقافية. وكذلك هناك اختلافات جوهرية بين الشركات العائلية والعامة والحكومية. لذلك هناك درجة من عدم التجانس، وحالة من الشكلية في حالتنا، لكن الحوكمة من الأهمية أن تعطى الاهتمام والتركيز من صناع القرار الاقتصادي والمالي.
إنشرها