الشركات البادئة .. ومواجهة المعوقات

|
اجتذب مؤتمر ستب STEP الذي أقيم في دبي - وهو أكبر مؤتمر للمشاريع البادئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا - قدرا كبيرا من النشاط الإعلامي المكثف. وقد بدا الأمر وكأن هذا المؤتمر كان بمنزلة الإشارة إلى بلوغ مشهد المشاريع البادئة في المنطقة سن الرشد، لكن لا يزال أصحاب المشاريع في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا يواجهون معوقات بنيوية خطيرة تحول دون تقدمهم. لا ينبغي لنا التقليل من شأن النجاحات التي حققتها الشركات البادئة في المنطقة. فوفقا لمنصة التسريع الإقليمية "ومضة" Wamda هناك أكثر من 12 شركة بادئة - تقدر قيمتها الآن بأكثر من 100 مليون دولار أمريكي. ومن المنتظر أن تصبح شركة سوق دوت كوم، ويعمل بها نحو ثلاثة آلاف موظف، أول "يونيكورن" في المنطقة تتجاوز قيمتها المقدرة مليار دولار. ولكن تظل البيئة الإقليمية رغم هذا غير مفضية إلى تعزيز روح المبادرة والمغامرة التجارية. فإلى جانب الحروب، والإرهاب، والاضطرابات السياسية التي تجتاح العالَم العربي - ناهيك عن التحديات المعتادة التي تواجه أصحاب الأعمال خارج وادي السيليكون، مثل الافتقار إلى رأسمال المخاطرة الكافي، أو الموهبة، أو البنية الأساسية - هناك عديد من المشاكل البنيوية عميقة الجذور. تتعلق إحدى هذه المشاكل بالتركيبة الديموغرافية لروح المغامرة التجارية. فوفقا لإحدى الدراسات، كانت المشروعات العائلية تمثل عام 2011 نحو 70 في المائة من اقتصاد القطاع الخاص في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا - وهي حصة أعلى كثيرا من نظيراتها في أي منطقة أخرى. وهذا يعني أن شريحة كبيرة من مجتمع الأعمال تجمع الأموال، وتتقاسم رأس المال، وتدير عملياتها داخل دوائر اجتماعية صغيرة متماسكة. ويبدو أن الحكمة التقليدية المتمثلة في الاعتماد على الأصدقاء وأفراد الأسرة في مساعي إنشاء المشاريع الجديدة تُتَرجَم في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى: "إذا لم تكن صديقا أو فردا من أفراد الأسرة، فلا بد أنك مستعجل". ورغم أن هذا ربما يساعد على احتواء المخاطر، فإنه يعمل أيضا على تعزيز ثقافة الأعمال الكارهة لخوض المجازفات. بيد أن الاستعداد لخوض المجازفات يشكل ضرورة أساسية للإبداع وريادة الأعمال. وعلاوة على ذلك، يؤدي الإبقاء على الأعمال داخل الأسرة إلى تقليص قدرتها على تعطيل الأنظمة القائمة، حتى عندما تتمكن من الإبداع. الواقع أن ثقافة الأعمال ذات التوجهات الأسرية هذه نتاج لتاريخ طويل من الأنظمة القضائية التجارية غير الفعالة، وبرامج التأميم التعسفية، والافتقار إلى الحوكمة الفعالة للشركات. ورغم نجاح أغلب الدول في إدخال التحسينات على هذه الجبهات، فإن تقاليد الأعمال القَبلية تظل راسخة، وستستغرق إزاحتها بعض الوقت. ولكن من الممكن اتخاذ الخطوات الآن للمساعدة على تخفيف بعض المشاكل المرتبطة بثقافة الأعمال، مثل الافتقار إلى المتاح من رأسمال المخاطرة الكافي لأصحاب المشاريع الجديدة. ففي لبنان - على سبيل المثال - أطلق البنك المركزي مبادرة غير مسبوقة لدعم المشاريع البادئة تحت اسم Circular 331، التي من خلالها يضمن البنك ما يصل إلى 75 في المائة من رأسمال المخاطرة الذي تتيحه المصارف المحلية، الذي يعادل نحو 3 في المائة من أصولها. ومنذ إطلاق البرنامج عام 2013، نجح في توليد أكثر من 400 مليون دولار من رأسمال المخاطرة. يكمن عائق كبير ثان يعرقل ريادة الأعمال الإبداعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الطريقة التي تدير بها الحكومات دورها الحاسم كعملاء. فمن خلال شراء السلع والخدمات، التي تشكل نحو 10 إلى 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المتقدمة، ونحو 20 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان النامية، تستطيع الحكومات أن تخدم كمحركات مهمة للنمو والإبداع. وينبغي لنا أن نتذكر أن المحرك لنشأة وادي السيليكون ونموه كان العقود والمشتريات الحكومية. ولكن في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تميل شروط ممارسة الأعمال مع الحكومة - بما في ذلك متطلبات المناقصات، وجداول السداد، والمطالب البيروقراطية - إلى حرمان الشركات الصغيرة، "التي تتألف من 10 إلى 50 موظفا" من المشاركة. ومع عجز الشركات الصغيرة عن الوصول إلى سوق السلع والخدمات العامة، فإنها لا تتمكن من اغتنام فرص كبرى للنضج والتوسع، ما يحد من قدرتها على تحفيز النمو الاقتصادي الأوسع والتنمية. يتعلق عائق ثالث رئيس يحول دون ريادة الأعمال المبدعة في بلدان منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالبنية الصناعية. يمثل البناء، والخدمات المصرفية، والاتصالات، والسياحة، والتصنيع التقليدي، حصة كبيرة من اقتصاد القطاع الخاص في المنطقة. وتميل الشركات في هذه الصناعات ليس فقط إلى كونها ذات ملكية أسرية، فهي أيضا كبيرة في الحجم وثقيلة في استثمار رأس المال، وهي لا تنظر إلى الشركات البادئة عادة باعتبارها شركاء عمل استراتيجيين محتملين. ويعني كل هذا ضمنا حواجز مرتفعة تحول دون دخول الشركات الجديدة، التي تواجه النقص الشديد في الفرص لتعطيل القديم أو التدوير أو حتى الاستفادة من الصناعات الكبرى. وحتى الشركات البادئة، التي تحقق بعض التقدم الأولي، تواجه صعوبات جمة في توسيع مشاركتها في قطاع الأعمال من شركة إلى شركة. ومن غير المستغرب في هذه الصناعات الرئيسة، أن تميل ريادة الأعمال المعطلة للنظم القائمة والإبداع إلى الوصول ببطء وفي وقت متأخر. ورغم أن الاتصالات تعد استثناء في هذا السياق، فإن حتى تطورها يواجه العراقيل من قبل التنظيمات الحكومية. كانت أكبر النجاحات التي حققتها الشركات البادئة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على شبكة الإنترنت، حيث لم يظهِر المشاركون الكبار الراسخون اهتماما مبكرا، وحيث الحواجز التي تحول دون الدخول منخفضة نسبيا، عندما يتعلق الأمر بالاستثمار الرأسمالي والقدرة على الوصول إلى السوق. والواقع أن أغلب الشركات الناجحة في هذا المجال تبيع مباشرة إلى المستهلكين، وتدير معاملاتها عن طريق خدمات الدفع الرقمية، التي تمكنها من تجنب الحواجز التي تعرقل المعاملات، مثل القواعد التنظيمية الحكومية الخاصة بالمشتريات والرسوم المصرفية المرتفعة. الحق أن التقدم الذي تمكنت مثل هذه الشركات البادئة من تحقيقه، يسلط الضوء على قدرتها على قيادة الإبداع وتوليد النمو الاقتصادي. وينبغي لها بالتالي، أن تخدم كحافز قوي لحكومات وشركات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتغيير نهجها. وعلى وجه التحديد، ينبغي للحكومات أن تبذل مزيدا من الجهد لزيادة الإنفاق لدعم المشاريع الجديدة المبدعة، في حين يتعين على الشركات الراسخة أن تفتح عملياتها وتتعاون مع الشركات البادئة لتوسيع أنشطتها الإبداعية التي يمكنها أن تضخ الدينامية في شرايين الأسواق. إن الشركات البادئة مراكز ثابتة للإبداع، ومحركات مؤكدة للنمو الاقتصادي وتشغيل العمالة والتنمية. وقد حان الوقت كي تحقق دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أعظم قدر ممكن من الاستفادة من هذه الإمكانية. خاص بـ "الاقتصادية" حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت
إنشرها