حلول لخفض فواتير الكهرباء

|
بعد اكتواء كثير من المستهلكين من ارتفاعات حادة في فواتير استهلاك الكهرباء، قامت حملة إعلامية غير مسبوقة على شركة الكهرباء وهيئة تنظيم الكهرباء المعنية بحماية المستهلك. أتفهم موقف الكاتب غير المتخصص، خاصة عندما يهاجم القائمين على صناعة الكهرباء بموضوعية، والتحذير المبرر من أضرار الارتفاع الحاد في الفواتير على القدرة الشرائية لأفراد المجتمع. لكن ما أستغربه هو سطحية بعض مدعي التخصص، عندما ركبوا موجة الغضب الشعبي، وخرجوا عن الموضوعية، وقاموا بتلفيق اتهامات خاوية لشركة الكهرباء بلا أي دليل مقبول. استخدامهم الأسلوب النخبوي في كتاباتهم، من خلال ذكر تفاصيل ليس لها أساس، أسهمت في اتساع فجوة الثقة بين المستهلك والقائمين على صناعة الكهرباء. لا شك أن هناك أخطاء ودروسا يجب الاستفادة منها ومواجهتها فورا، ومن أبرز تلك الدروس الإعداد النفسي الخاطئ للمستهلك السكني، عندما انتشر تصريح لأحد المسؤولين عن نسبة الزيادة المتوقعة في الفواتير "في حال ثبات مستوى الاستهلاك". تبسيط غير مبرر؛ لأن رمضان المبارك، الذي يعد موسما للاستهلاك العالي، تزامن مع فصل الصيف، الذي يشهد أحمالا ذروية، أصبح من الطبيعي أن تشهد مستويات الاستهلاك ارتفاعات قياسية وصادمة للمستهلك؛ لأني أعتقد أن الزيادة في الفواتير ستكون بنسبة معينة متذكرا تصريح المسؤول. كان من الأَوْلى أن تقوم الشركة بإعطاء المستهلك حقه في التوعية المناسبة، من خلال تحليل تاريخ سلوكه الاستهلاكي خلال أشهر الصيف في الأعوام السابقة، واستقراء الاستهلاك المتوقع في موسم الصيف الحالي وبناء عليه قيمة الفواتير المتوقعة. هكذا يتم إعداد المستهلك حتى يتخذ قراراته بوعي. أما مسألة تبسيط الزيادة المتوقعة للفواتير من خلال ضرب قيمة الفاتورة السابقة بأرقام محددة لم تكن موفقة. والآن كثير من المستهلكين أصبحوا متيقنين أن هناك خطأ واضحا في احتساب كمية الاستهلاك، الأمر الذي يشكك في مصداقية التسعير. أما فيما يخص الحلول العاجلة لتخفيض فواتير الكهرباء، فأرجو من القائمين على صناعة الكهرباء أن يقوموا بدراسة جدوى اقتراح التعرفة المتغيرة للمستهلك السكني بشكل اختياري، كما هو الحال للمستهلكين الصناعي والتجاري في بداية طرح المبادرة. فتكلفة التشغيل خلال ساعات الذروة في الصيف "خمس ساعات" أعلى بكثير من تكلفتها خارج ساعات الذروة. وبالتالي ليس من العدل أن تتم مساواة أسعار استهلاك الكهرباء خلال ساعات الظهيرة في الصيف بأسعار الاستهلاك في الليل. وعلى الرغم من أن هذه المبادرة تستدعي أن تستبدل بالعدادات القديمة عدادات رقمية حديثة، إلا أن ذلك سيسهم في تخفيض فواتير المستهلك، وسيسعى إلى إزاحة الأحمال التي يمكن تأجيلها، خاصة ذات الاستهلاك الكثيف كالغسيل والكوي. وشركة الكهرباء لديها خبرة واسعة في هذا المجال، كما فعلت مع المستهلكين الصناعي والتجاري، وواجهت بعض المقاومة في أول الأمر. والشركة لم تفرض التعرفة المتغيرة، بل جعلتها خيارا للمستهلك بحيث تصدر له فاتورتين نهاية الشهر: "الأولى قيمة الاستهلاك بالتعرفة الثابتة، والأخرى بالتعرفة المتغيرة"، ويسدد الفاتورة الأقل قيمة حتى قام كثير منهم بتغيير سلوكه الاستهلاكي وتوفير مبالغ مجزية. ومن الحلول المستدامة والعاجلة تفعيل دور شركة خدمات الطاقة ESCO لتحسين كفاءة استهلاك الكهرباء. قرأت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي خبرا عن إنشاء صندوق الاستثمارات العامة "شركة عملاقة لخدمات الطاقة" Super ESCO برأسمال يقدر بـ1.9 مليار ريال. الشركة معنية بتحسين كفاءة الطاقة في المباني العامة والحكومية؛ حيث تقدر القيمة السوقية لهذا القطاع بـ42 مليار ريال. لا أدري إذا بدأت الشركة نشاطها، لكن لا بد من توسيع نطاق اهتمامها لتشمل مستهلكي القطاع السكني "رغم الصعوبات"، إما من خلال إنشاء شركات صغيرة موزعة جغرافيا، وإما من خلال نماذج عملية أخرى لتصل إلى أكبر قدر من المستهلكين. هذه الشركات تقدم خدمات شاملة توضح وتنفذ للمستهلك خياراته لتخفيض مستويات الاستهلاك من دون التأثير في نمط حياته قدر الإمكان. لكن لا بد من دعم هذه المبادرة ـ ربما بتوجيه من وزارة الطاقة ـ وتطويرها وابتكار نماذج تمكن الجهات ذات العلاقة من توفير الموارد المطلوبة "بالذات المالية" للوصول إلى هدف المبادرة.
إنشرها