المشراق

البدو: شعب أبي .. محب للحرية .. قاس .. شديد البأس .. مضياف .. ومحارب

صدرت الطبعة الأصلية من كتاب "البدو" باللغة الألمانية، ونشرت أجزاؤه الخمسة على فترات متفاوتة بين عامي 1939 و1966، وكانت الاستفادة منه متعذرة على من لا يعرف هذه اللغة. ثم اضطلعت دار الوراق للنشر بمهمة ترجمة الكتاب إلى العربية ونشره، فصدرت الطبعة العربية الأولى عام 2004 في خمسة مجلدات، وقام على ترجمته وتحقيقه مجموعة من الباحثين.

المؤلف

مؤلف الكتاب الرئيس وصاحب الجهد الأكبر هو المستشرق الألماني ماكس فرايهرفون أوبنهايم، وساعده في ذلك مستشرقان ألمانيان لهما نفس الاهتمام والميول الثقافي هما: إيريش برونيلش وفرنر كاسكل.
ولد أوبنهايم في مدينة كولون في ألمانيا سنة 1860، ودرس القانون في جامعة ستراسبورج، وحصل على درجة الدكتوراه في القانون من جامعة جوتنجن، وله من العمر 23 سنة. واهتم بالشرق منذ سنوات مراهقته الأولى، إذ يذكر أن هذا الاهتمام الكبير جاءه بعد أن أهديت إليه نسخة من كتاب "ألف ليلة وليلة" وهو في سن المراهقة.
تعلم العربية صغيرا، وقام بأول رحلة استكشافية إلى الشرق "تركيا ومصر" عام 1883 ــ 1884 ثم قام برحلة إلى المغرب عام 1886، ثم قام عام 1892 ــ 1893 برحلة استشراقية كبيرة من دمشق، وعبر الصحراء السورية منحدرا إلى نهر الفرات وإلى البصرة ومنها إلى الهند. كما قام برحلات أخرى بعد ذلك وعمل في القاهرة مستشارا للقنصل الألماني 13 عاما. وزار أقطارا ودولا كثيرة لمهام مختلفة في سنوات متفاوتة من عمره، وتردد على بلاد العرب خصوصا سورية عدة مرات كان آخرها عام 1939. وفي عام 1943 تعرض بيته ومكتبه ومقتنياته الشرقية والقطع الأثرية التي جمعها للضرب بواسطة القنابل خلال الحرب العالمية الثانية. وضاع كثير من مقتنياته. انتقل بعدها إلى درسدن ثم إلى بافاريا عام 1945. وفي عام 1946 توفي أوبنهايم في لانشت وفيها دفن. بلغت مؤلفاته 37 مؤلفا، جزء كبير منها عن البدو، وعن رحلاته في سورية واكتشافه "تل حلف".

كتاب البدو

يقول أوبنهايم عن كتابه هذا، "إن هذا الكتاب حصيلة 40 عاما من العمل والملاحظات والتسجيلات الشخصية التي قمت بها في عين المكان". كما يقول أوبنهايم "سيقدم كتابنا هذا معطيات إلى كل من يبحث عن معلومات حول سائر المسائل المتعلقة بأبناء الصحراء". ويذكر مقدم الكتاب محمود كبيبو أنه "يندر أن انشغل شخص بالشرق مثل أوبنهايم، فقد قضى عقودا عديدة في المنطقة خاصة لكتابه عن البدو". ويتحدث ماجد شبر الذي تولى تحقيق الكتاب عن أهمية مؤلف أوبنهايم فيقول "إن كتاب البدو هذا الذي بين أيدينا بأجزائه الأربعة "الخامس خرائط ومشجرات أنساب" هو حصيلة جهد عظيم وكبير قام به المستشرق، الآثاري، والسياسي، والقانوني، والدبلوماسي البارون ماكس فون أوبنهايم وساعده وشاركه فيه عالمان ألمانيان جليلان هما البروفيسور ايريش برونيلش، والبروفيسور فرنر كاسكل، وبمساعدة مجموعة كبيرة من الأشخاص المتمكنين، الذين جعلوا هذا المشروع قابلا للتنفيذ لكي يخرج بهذا الشكل الفخم الواسع. إن كتاب البدو هذا يعد من أجل الدراسات وأكثرها عمقا في فهم القبائل البدوية ودراستها دراسة تاريخية اجتماعية واقتصادية وسياسية وأنثروبولوجية، وهو يقدم معلومات شاملة وفريدة من نوعها عن تاريخ القبائل وأصولها وأنسابها وهجراتها والترابط القائم بينها..".
وذكر المؤلف أنه سار باتجاهين في إعداد الكتاب:
الأول: إنجاز دراسة وافية للحياة المادية والثقافية للبدو.
الثاني: متابعة أعرافهم وعاداتهم ومراقبة حياتهم داخل الأسرة والقبيلة وحيال المنتسبين إليهم وتدوين مأثورات وأساطير قبائلهم. وكذلك تدوين ملاحظات مهمة حول الحياة الداخلية لهذه القبائل، من سلطة الشيوخ والأعراف البدوية وعادات الأعراس والزواج وحق الضيافة والحماية "الإجارة" وكذلك الاهتمام بالحياة الدينية.
ومن خصائص هذا الكتاب أيضا، قيامه بمعالجة القبائل من الناحية الجغرافية، فهو يقوم بتصنيف القبائل المختلفة إلى مجموعات بحسب المناطق الجغرافية المختلفة على خلاف ما هو متبع في كتب الأنساب.
إن المساحة الجغرافية التي يشملها البحث كبيرة تتوزع بين العراق، سورية، المملكة، الكويت، قطر، البحرين، الإمارات، الأردن، فلسطين، وسيناء، إضافة إلى قسم من القبائل التي تعيش داخل تركيا الحالية، وكذلك قبائل وعشائر عربستان أو ما يطلق عليه خوزستان إيران، بل يمكن القول إنه يتناول كل القبائل العربية في آسيا.
وحول منهجية البحث يذكر ماجد شبر أن الموضوعية التي اتسم بها المؤلف في بحثه يرافقه فيها حبه للعرب بشكل عام، والبدو بشكل خاص تجعله أكثر مصداقية، فهو لم يذهب إلى وصفهم بالسراق والقتلة كما هو حال كثير من الرحالة، بل يصفهم بأنهم "شعب أبي محب للحرية، قاس شديد البأس، مضياف ومحارب". وكذلك لا بد من الإشارة إلى أن احترامه للإسلام كان واضحا، حيث يسمي النبي محمدا - صلى الله عليه وسلم - بالنبي في كثير من الأحيان، وليس بالاسم المجرد كما هو حال كثير من المستشرقين.
وحول النهج العلمي المختلف عما جرت عليه العادة في الكتب التي تبحث في تاريخ وأصول القبائل والعشائر، يلخص لنا المقدم طريقة أوبنهايم فيما يلي:
1ــ التقسيم الجغرافي للقبائل.
2ــ أسلوب البحث ولغته.
3ــ البحث الميداني.
4ــ جدولة القبائل والعشائر.
5ــ تنوع المصادر وتكاملية البحث.
6ــ الوسم وصيحات الحرب.
ويقول "قام أوبنهايم بتسجيل أغلب صيحات الحرب "النخوة" للقبائل والعشائر العربية، وكذلك قام برسم وسم الحيوان لكل قبيلة".

مقدمة أوبنهايم

يتحدث أوبنهايم في مقدمته عن أهمية كتابه البدو ونشوء هذا الكتاب وتطوره، وعلاقته بالبادية، ورحلاته المتعددة، وعن بعض الشخصيات العربية، الشرقية التي التقاها، فقد تحدث عرضا عن رفيقه في إحدى رحلاته وسمّاه منصور نصر، وذكر أنه ابن أخ الشيخ مجول المصرب من السبعة من عنزة، وزوج السيدة البريطانية الجميلة ديجي "جين دجبي". وتحدث عن العلاقة التي ربطتهما، ووفاء جين دجبي لزوجها، وتحدث عن زبير باشا الذي التقاه عام 1894 وذكر أنه أسس إمارة عظيمة في السودان المصري، ثم تحدث عن علاقته بالخليفة العثماني السلطان عبدالحميد، وأورد خبرا طريفا مفاده أنه سمع صديقه فارس باشا "الجربا" يتحدث عنه "أي عن الخليفة" بأعظم قدر من التمجيد والخضوع كخليفة وولي أمر لجميع المسلمين. وأن الخليفة أرضاه ذلك كثيرا، ثم تحدث عن علاقته بالأمير فيصل بن الحسين ــ ملك العراق فيما بعد ــ ثم تحدث عن علاقته بالشيخ أبي الهدى الصيادي ووصفه بالرجل سيئ الصيت، وذكر أن علاقته كانت قوية بالسلطان عبدالحميد، وهذا أمر صحيح، وعلاقته بعزت باشا العابد ــ والد محمد العابد الرئيس السوري الأول ــ وذكر أن عزت باشا هو المؤسس الحقيقي لسكة الحديد الصحراوية التي ربطت دمشق بالمدينة المنورة، وتحدث عن صديق له في مصر هو الأمير أحمد باشا والد الأمير يوسف كمال، وذكر أنه عرفه على محمد بن بسام من عنيزة.
ثم تحدث عن ابن بسام قائلا "كان ابن بسام واحدا من أكثر تجار العالم العربي أهمية، وكانت أسرته مقربة من سلالة أمراء ابن رشيد، والمسيطرة في جزيرة العرب آنذاك. وقد توزعت مؤسساتها ــ والحديث عن أسرة البسام ــ التجارية بين مكة وجدة ودمشق وبغداد، وكذلك في بومبي، التي كانت تُرسل إليها خيول عربية يشتريها عادة الجيش الإنجليزي، وكذلك مهاري للضباط البريطانيين، وكان للأسرة فروع تجارية في القاهرة وطرابلس أيضا، بل إنها امتلكت لبعض الوقت سفينة بخارية خاصة أبحرت بين ميناءي البصرة وجدة. "كانت لصداقتي مع ابن بسام أهمية كبرى بالنسبة إلى دراستي عن البدو، حيث كنت مرات عديدة معه في دمشق، مقر إقامته الأصلي، وسعدت بزيارته لي عام 1913 طوال أيام عديدة في تل حلف، وتلقيت منه حتى عام 1929 معلومات ذات قيمة كبيرة عن القبائل، خاصة قبائل الجزيرة العربية الأصلية. إنني أدين لهذا الرجل ذي الاطلاع الواسع بعرض مترابط ومتكامل عن تطور السلطة في قلب الجزيرة العربية منذ بداية القرن الماضي وحتى الحرب العالمية".
ويواصل أوبنهايم حديثه عن الرجال الذين التقاهم واستفاد من علاقته بهم، وعن منهجيته في البحث ثم ينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن طبيعة البدو في فصل يقع في 20 صفحة، ثم مدخل مختصر، ليبدأ بعد ذلك الحديث عن قبائل بلاد ما بين النهرين "العراق الشمالي" وسورية، وفي الجزء الثاني تحدث عن قبائل فلسطين وسيناء والأردن والحجاز، وفي الجزء الثالث عن قبائل شمال ووسط الجزيرة العربية والعراق الجنوبي، وفي الجزء الرابع عن قبائل خوزستان إيران "عربستان"، أما الجزء الخامس فعبارة عن مشجرات أنساب وخرائط جغرافية لانتشار القبائل.

أخطاء في الأسماء

مراجعة المعلومات التي أوردها المؤلف، وتحقيقها وتدقيقها أمر في غاية الصعوبة، ولا يلام المحقق في عدم مراجعته لكثير من هذه المعلومات. وقد جاء في مقدمة ماجد شبر بعض الأخطاء خصوصا عند حديثه عن تصنيفات البدو "11ــ13" وهي أخطاء فاحشة لا يسمح المجال بإيرادها.
لعل أكبر مشكلة تواجه القائمين على ترجمة الكتب والرحلات الخاصة بمنطقتنا هي كتابة أسماء الأشخاص والأسر والقبائل والمواضع والأماكن، كذلك يندر أن نجد كتابا مترجما لا تتكرر فيه هذه الأخطاء. وقد تكون هذه الأخطاء كبيرة حتى إننا لا نستطيع معها معرفة الشخص المقصود، لذلك طالما تمنيت على من قام بترجمة رحلة أو كتاب عن تاريخ المنطقة أن يعرض عمله على باحث متخصص لديه خبرة في تاريخ المنطقة وأسماء الشخصيات والقبائل والأماكن. وقد سرني عند قراءتي لفصول من كتاب البدو قلة هذه الأخطاء، وهو أمر يشكر عليه القائمون على ترجمة وتحقيق هذا الكتاب، وهذا يدل على أنهم بذلوا جهدا كبيرا في مراجعة هذه الأسماء وتدقيقها، لكن الكمال لمن له الكمال. وقد وقعت في هذا الكتاب مجموعة من الأخطاء في كتابة الأسماء، وسأورد بعضا منها: "عنزة بن أسعد بن ربيعة، والصواب أسد. هدار، الصواب الهدار. العنزة، والصواب عنزة. عجير، والصواب العقير. وادي الشر، والصواب وادي العشر. فهد بن ضغيم، والصواب فهد بن دغيم. المساليخ، والصواب المصاليخ. البريدة، والصواب بريدة، وهي المدينة المعروفة في القصيم".

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من المشراق