الحوكمة القضائية .. الشفافية والإفصاح "3"

|
تحدثت الأسبوع الفائت عن أهمية تعزيز مبدأ منع تعارض المصالح من خلال الحوكمة القضائية، وذكرت بعض الأمثلة التي أراها مهمة جدا لتعزيز كفاءة وعدالة القضاء، واليوم سأتحدث عن مبدأ آخر مهم جدا وهو المبدأ الحوكمي "الشفافية والإفصاح"، الذي يعتبر رأس الحربة في محاربة الفساد داخل أي منشأة. ولشرح هذا المبدأ ببساطة؛ فإنك عندما تقوم بعمل أمام الناس وتحت أعينهم فمن الطبيعي أن تحاول عمل جميع الأعمال الضرورية للعمل بإخلاص وتفان كون العامل هنا يشعر بمراقبة الناس له، ولا يعلم في أي لحظة سيعترض الناس عليه حال أخطأ، وبالتالي يشعر بالرقابة الذاتية باستمرار. الأمر الآخر؛ هو أنه بالشفافية والإفصاح يتحول كلا طرفي النزاع أمام المحكمة إلى مراقبين لمصالحهما كونهما يمكنان من الاطلاع على كل ما يخص قضيتهما بشفافية ووضوح. كثيرا ما تحصل ملاحظة لمحاولة أحد الخصوم التدخل في مسار القضية، فقد يحصل على بعض البيانات دون علم الآخر، أو ربما يسهم في حجبها أو تجاهلها من خلال بعض العاملين داخل المكتب القضائي مثلا، أو يتدخل في اختيار المواعيد دون علم الآخر وهكذا، ولكن عندما تعزز الشفافية بتسجيل كل مراجعة لأحد الخصوم، وما الذي طلب أو اطلع عليه دون الآخر وكشفها للخصم الآخر ليكون مطلعا على كل ما قد يؤثر في مسار الدعوى، فهذا بالتأكيد يعزز دور الرقابة والعدالة، ويمكن أن يُهيأ ذلك إلكترونيا لكل الأطراف بسهولة. الشفافية تمنع الفساد وتحارب المفسدين، فعندما يتم كشف كل إجراء داخل إجراءات المكتب القضائي؛ فإن الشخص الذي أسهم في عملية الفساد يعلم أنه قد ينكشف بسبب وجود رصد دقيق ومكشوف لكل الأطراف بأنه هو من قام بإدخال أو إخفاء أو تغيير أي شيء في القضية. كذلك ما يتعلق بالعمل القضائي البحت، حيث يجب كشف جميع إجراءات المحكمة أمام الخصوم بدءا من المخاطبات وانتهاء بمخاطبات الاستئناف وضرورة اطلاع وتمكين الخصوم من الحصول على صور المستندات الخاصة بقضيتهم، وما أسهل أن تضيع بعض الأوراق ويتضرر أحد الخصوم بضياعها دون وضع آلية محددة لمعالجة هذا الأمر، بينما بتمكين الخصوم من الحصول على صور من جميع ما يخصهم من أوراق فهو يضمن الحد الأدنى من حفظ حقوقهم. هذا الأمر فيه إشكالات نظامية عديدة تحتاج إلى معالجة تشريعية عاجلة لا أود الإطالة على القراء الكرام في شرحها. إضافة إلى فرض الشفافية والإفصاح من خلال تعزيز الحوكمة؛ يجب تضمين ذلك من خلال لوائح حديثة وإلزام المحكمة بكل طاقمها بها، والمحاسبة على الإخلال بها، بشكل شبيه بعمل هيئة السوق المالية التي تحاسب الشركات المساهمة على كثير من الالتزامات الحوكمية الرائدة، ويمكن الاستفادة من تجربة الهيئة الجميلة في هذا المجال. لا شك أن هناك تطورا ملحوظا ومستمرا في قضائنا ولله الحمد، وهذه مساهمة لأجل الإصلاح والتطوير أكثر، ودعواتنا للقائمين عليه بكل توفيق وسداد.
إنشرها