سوق الصكوك والدور الحكومي

|
الصكوك بأنواعها وأشكالها المختلفة تمثل رافدا استثماريا مهما جدا، ورافعة مالية لا غنى عنها للشركات، ولهذا لا بد أن يكون تداول الصكوك في الأسواق المالية نشطا بشكل كافٍ جدا لجعل هذه الأداة المالية قادرة على تحقيق الأغراض التي من أجلها تم إصدارها، ولقد كانت المملكة ولعقود طويلة بعيدة عن استخدام وتطوير هذه الأداة؛ نظرا لعدة أسباب: أولها أن السوق المالية لم تتطور بما يكفي لتكون مؤهلة لجذب هذا النوع من الأدوات المالية، والأمر الثاني أن الصكوك الحكومية لم تكن متداولة في السوق الاستثمارية، بل كانت عبارة عن صفقات بين مؤسسة النقد والمصارف المحلية لتمويل العجز، الذي يحدث بين فترة وأخرى؛ بسبب تباطؤ الإيرادات أو تباطؤ تحصيلها، لكن مع التطورات التي شهدتها السوق المالية، فقد بدأت الشركات استخدام هذه الأداة لتمويل عملياتها، ولكن لم تزل الشركات متحفظة في استخدام هذه الأدوات، والوصول إلى سوق المال من خلالها، فقد بلغ حجم الإصدارات المتداولة في السوق 26.4 مليار ريال موزعة على أربع شركات فقط. ولكن المشهد لم يتغير كثيرا مع هذه الإصدارات، فقد كان التداول ضعيفا عليها لأسباب تصعب مناقشتها كافة هنا، وهذا بالتأكيد سيؤثر في جاذبية الصكوك، ورغبة الشركات في استخدامها عند تمويل أنشطتها، وكمفهوم اقتصادي عام فإن الصكوك أكثر تفضيلا من قبل الشركات عن إصدار الأسهم؛ حيث إن العوائد التي تدفع للصكوك عوائد محدودة بزمن وليست مستمرة، مثل العوائد التي تدفع لحَمَلَة الأسهم، فلزيادة حقوق الملكية مع الزمن وزيادة عوائد المساهمين في المستقبل، فإن الأفضل إصدار الصكوك؛ إذ إن عوائدها ستنتقل إلى حَمَلَة الأسهم بعد انقضاء مدة الصك وسداد قيمته، أو حتى عند قيام الشركات باستدعاء الصكوك قبل أجلها. ومع كل هذه الأهمية لسوق الصكوك والسندات، فقد كان لا بد من إحداث هزة في السوق كافية لرفع نشاطها وفاعليتها، وقد جاءت وزارة المالية بالصكوك الحكومية، التي تم طرحها على مراحل، حيث تم طرح 257.6 مليار ريال في فترات سابقة من هذا العام، ثم تم طرح 3.1 مليار ريال أخيرا، التي قادت سوق أدوات الدين لترتفع إلى 260.7 مليار ريال بعد إدراجها. ولأن الصكوك الحكومية من أفضل المنافذ الاستثمارية، خاصة للمؤسسات والشركات، فقد شهدت السوق تنفيذ عدة صفقات على أدوات الدين الحكومية المدرجة لتعود السوق إلى نشاطها من جديد. ولهذا النشاط أسبابه المعروفة؛ حيث إن العائد السنوي على الصكوك الحكومية بلغ بين 2.7 في المائة و3.85، وهو بذلك أفضل من متوسط العائد بين المصارف. ومع هذا النشاط الملحوظ للسوق بفعل الإصدار الحكومي، من المتوقع - والحال هكذا - أن تتحول الشركات تباعا لتمويل أنشطتها من خلال إصدار الصكوك اقتداء بالحكومة، لكن الأمر يحتاج إلى أكثر من مجرد زيادة الإصدارات، بل لا بد من تفعيل دور المؤسسات المالية والتمويلية ومؤسسات الوساطة في تفعيل التداول، فالعائد يكون أفضل بلا شك كلما زاد عدد السندات التي يمكن للفرد الحصول عليها، وهذا يتطلب تخفيض القيمة الاسمية للصكوك، وأن تقوم شركات التمويل بدعم المستثمرين لزيادة عدد الصكوك، من خلال برامج مخصصة لذلك، بحيث يستطيع المستثمر الصغير الاستفادة من سوق السندات في المملكة بدلا من البحث عنها في الخارج.
إنشرها