السويديون في سباق مع الذكاء الاصطناعي

|
لا أظن أنه ستكون هناك هدنة بين الإنسان والماكينة الذكية. الإنسان اليوم ليس فقط في حاجة ماسة إلى الإنسان الآلي أو الذكي، بل صار لا يستطيع العيش دونه. الاثنان في سباق أو صراع دون هوادة. وقد أطلق كبار العلماء صرختهم وتحذيرهم من التطورات المذهلة في حقل الأتمتة، هذا عصر أخذت فيه الماكينة دورا فاق ما كان يحلم به الإنسان. في السابق، كان جل ما يريده الإنسان من الماكينة هو أن تخفف عبء أحماله وثقله، وتساعده في عميلة الإنتاج الوفير، وتلبية الطلب مهما كان حجمه ونطاقه. وقد أفلح الإنسان في مسعاه إلى تطويع الماكينة لخدمته وتلبية حاجاته وهو يدخل عصر الرخاء الاقتصادي. لولا الماكينة بصنوفها المختلفة، لما كانت الدنيا على ما هي عليه اليوم. الماكينة لب الصناعة، وتطورها وتوطينها وإنتاجها وتصنيعها واستخدامها على نطاق واسع وعلى أفضل وجه، دليل رقي وتقدم. بيد أننا دخلنا، ولا سيما في العقدين الأخيرين، في حقل صار للماكينة فيه دور يرتقي في كثير من تفاصيله إلى ممارسات منطقية، وكأن الذي يسيرها يشبه في كثير من التفاصيل العقل الذي يسير البشر. وفي نواحٍ كثيرة، أخذت الماكينة تبز ما يمتلكه الإنسان من منطق وعقل، الأمر الذي أدخل الخوف والخشية في قلوب علماء كبار، محذرين من أن الماكينة الذكية قد تصبح سيدة الأرض بدلا من الإنسان. وكان عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينج، الذي توفي قبل نحو أربعة أشهر، أكثر العلماء تحذيرا من الخطر المحدق الذي تشكله المكائن والأدوات والآلات التي تستند في تشغيلها واستخدامها على الذكاء الصناعي. وكان هذا العالم الكبير واضحا في كتاباته وتصريحاته، أن الذكاء الاصطناعي ومكائنه ستحتل الإنسان إن لم يضع الإنسان حدا وشروطا وآفاقا لما نشهده من تطور في هذا المضمار. ولكن يبدو أن مسألة وضع حدّ لنمو وتطور الذكاء الاصطناعي صارت أمنية بعيدة المنال. الدول المتطورة اليوم تتسابق في إنتاج وتصنيع الأدوات الذكية في شتى الحقول؛ من الزراعة إلى الصناعة والخدمات والتعليم والصحة حتى الشؤون العسكرية. أمام هذا الواقع، الواقع الذي يقول إن الماكينة الذكية قد تتغلب على الإنسان الذي صنعها، وأنه بمرور الوقت سيزداد اعتماد الإنسان عليها، انشغل العلماء ومراكز الأبحاث في الدول الإسكندنافية وفي السويد خصوصا بالبحث عن وسائل تجعل الإنسان في تفوق دائم على الماكينة. وفي رأيهم أنه يجب إضافة المميزات العقلية والمنطقية والخوارزمية ـــ الفضائل التي أسبغها الإنسان على الآلة ـــ إلى الإنسان ذاته. والذكاء الاصطناعي في ماهيته ما هو إلا رقائق أو شرائح حاسوبية أو كمبيوترية يزرعها الإنسان في الماكينة، التي تشكل العقل المدبر لها. السؤال كان: هل في الإمكان زرع شرائح ورقائق حاسوبية وخوارزمية في جسم الإنسان، ويكون في ذلك قد أضاف إلى مقدراته العقلية والمنطقية الخارقة أضعافا مضاعفة؟ قد يكون هذا شيئا من الخيال العلمي، ولكن لم يعد كذلك في السويد. لقد وافق الآلاف من السويديين على زرع رقائق حاسوبية في أجسامهم، وحال أن تستقر الرقيقة تحت الجلد لن يكون حاملها في حاجة إلى محفظة يضع فيها بطاقات الائتمان الخاصة به، أو أن يقوم بكثير من الوظائف، مثل الحجز والدفع والشؤون المصرفية والكمبيوترية الأخرى. من خلال حملهم هذه الرقائق جرت إضافة طاقات عقلية وذكية لم تكن متوافرة لهم من دونها. فمثلا يقوم حاملو هذ الرقائق بإجراء عمليات حسابية معقدة، وكذلك عمليات بيع وشراء ونشاطات أخرى كثيرة كانت حكرا على الماكينة الذكية. يقال إن السويديين دخلوا مضمار منافسة الماكينة الذكية؛ لأنهم في رخاء اقتصادي، وبودهم القيام بتجارب مختلفة في الحياة حتى إن كانت تخص أجسادهم. إلا أن انتشار هذه الظاهرة له أبعاد تفوق مسألة تطويع الطبيعة أو جسم الإنسان، من أجل التمتع بالحياة الدنيا. لا ينكر أن السويديين يضعون مسألة الرفاهية والتمتع بالحياة في قمة سلم أولوياتهم. ولكن زرع الرقائق في أجسامهم له بعد آخر، لا أظن أن له أي علاقة مباشرة مع مسعاهم للتلذذ بالحياة الدنيا. هناك خشية في البلد من الذكاء الاصطناعي وماكيناته، وأساس الخشية هو تحذيرات مثل التي أطلقها ستيفن هوكينج من أن إطلاق العنان للماكينة الذكية قد يؤدي إلى تسيدها على البشر. السويديون، الذين صار بلدهم نقطة جذب لشركات الذكاء الاصطناعي في العالم، يقولون إنهم لن يسمحوا بأن يحدث ذلك حتى إن جعلوا الرقائق جزءا من أجسامهم.
إنشرها