الهجرة غير الشرعية .. هل من حلول؟

|

بلغ الجدل حول الهجرة الشرعية، أو غير النظامية، أوجه، وانعكس في قرارات قاسية واجتماعات قمة بين الدول. فمن أجل هذا الموضوع، اجتمع قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل قبل يومين بهدف التوصل إلى اتفاق على وضع إجراءات للحد من تدفق الهجرة غير الشرعية، ومن ضمن المقترحات إنشاء مراكز إيواء لفرز المهاجرين الذين يتم إنقاذهم في المياه الإقليمية على أطراف دول الاتحاد الأوروبي، بعضها داخل الاتحاد الأوروبي وأخرى خارج حدوده، ينقل إليها المهاجرون الذين ينقذون في المياه الإقليمية خلال عبورهم نحو الأراضي الأوروبية، وفي هذه المراكز يتم فرز الذين يحق لهم طلب اللجوء السياسي من جهة، وإعادة من هاجروا لأهداف اقتصادية إلى بلدانهم من جهة أخرى. ولكن بعض الدول الإفريقية مثل مصر وليبيا، بادرت بعدم موافقتها على إنشاء مراكز إيواء على أراضيها. وعلى الضفة الأخرى من الأطلسي، أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عاصفة لم تهدأ أصداؤها بعد قراراته الأخيرة بشأن حق السلطات الأمريكية بفصل الأطفال عن ذويهم المحتجزين على الحدود، وذلك تحت ما يطلق عليه قانون "لا تسامح"، وذلك للحد من الهجرة غير الشرعية. لا شك أن ظاهرة الهجرة غير الشرعية مشكلة متشعبة، لها أبعاد إنسانية، واقتصادية، واجتماعية، وأمنية. والسؤال المطروح ما سبب تزايد وتيرتها خلال السنوات الأخيرة؟ لقد ازدادت وتيرتها نتيجة تزايد الصراعات والحروب والاضطرابات في الدول العربية على وجه الخصوص، إلى جانب تفاقم الفقر وارتفاع معدلات البطالة في كثير من الدول النامية، وخاصة دول إفريقيا جنوب الصحراء وبعض الدول الآسيوية. هذه الأوضاع المعيشية المتردية زادت من حدة التفاوت في المستوى الاقتصادي بين الشمال والجنوب، ما أدى إلى ازدياد مستوى عدم الرضا عن الوضع المعيشي لدى الشباب في الدول الفقيرة، وذلك بعد توافر وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات التي تنقل إليهم أخبار النعيم والعيش الرغيد في الدول الغنية. لقد أدى ارتفاع مستوى عدم الرضا إلى اتخاذ قرار الهجرة بأي سبيل يتوافر أمامهم، ويعزز قراراتهم بشأن الهجرة قصص النجاح الحقيقية والمبالغ فيها التي تصل إلى أسماع هؤلاء الشباب الفقراء المحرومين والمتعطلين عن العمل. ولإبراز حجم الهجرة غير الشرعية، يقدر عدد المهاجرين غير الشرعيين في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها بنحو 12 مليونا في 2017، وعدد الذين منحوا الإقامة الدائمة بنحو مليون مهاجر في 2016. ومن المثير أن يصل عدد من تم ضبطهم على الحدود إلى 530 ألف مهاجر غير نظامي خلال العام نفسه، أعيد منهم 340 ألف إلى بلدانهم الأصلية. ومن التحديات الصعبة التي تواجه الدول المستقبلة أن التدفق بأعداد كبيرة لمهاجرين لا يمتلكون مهارات تتناسب مع احتياجات أسواق العمل، ولو أنهم – في حقيقة الأمر - يوفرون أيدي عاملة رخيصة للقيام بأعمال لا يفضلها المواطنون في دول الاستقبال. كذلك تواجه دول المقصد، قيام بعض المهاجرين غير الشرعيين بإحراق وثائق ثبوتيتهم، والتخفي لدى أقاربهم أو في المزارع الكبيرة النائية لفترات طويلة، ونتيجة لوضع "السرية" التي تحف بأوضاعهم، يزداد استغلالهم من قبل أصحاب الأعمال والمزارعين بأجور منخفضة جدا، خاصة مع صعوبة مطالبتهم بحقوقهم، إلى جانب تعرض بعض المهاجرين لأخطار الجوع وسوء التغذية والاستغلال غير الأخلاقي. ولا يقل عن ذلك أهمية، أنهم، أي المهاجرين أنفسهم، يشكلون مصدر قلق أمني في دول المقصد أو الوصول، نتيجة ميل كثير منهم لارتكاب جرائم أخلاقية وعنف وسرقات. بالتأكيد، فإن ردم الفجوة الاقتصادية بين الدول الفقيرة والغنية ليس سهلا، إن لم يكن مستحيلا خلال المستقبل المنظور، ولكن هناك حلولا توفيقية، إن لم توفر حلولا ناجعة، فإنها تخفف وطأة هذا النوع من الهجرة على الدول الأصل والوصول "المستقبلة"، وقبل ذلك على المهاجر نفسه. ومن أبرز ذلك: (1) بناء شراكات بين الدول الفقيرة والدول الغنية لإيجاد فرص عمل للشباب. (2) تسهيل الهجرات المؤقتة لأغراض العمل، خاصة مع التقدم التقني الذي يسهل ضبط الأمور من خلال ربط الحصول على الخدمات بالوضع النظامي للمهاجر، مع ضرورة تعاون دول الأصل المصدرة للهجرة في التحقق من هوية المهاجرين باستخدام البصمة في حال إقدام المهاجر على إحراق وثائق الجنسية. (3) الاستفادة من المهاجرين غير الشرعيين بعد تدريبهم، خاصة أن الدول المتقدمة عموما، والأوروبية خصوصا تعاني نقص القوى العاملة الشابة، نتيجة شيخوخة مجتمعاتها بسبب انخفاض معدلات الإنجاب.

إنشرها