«نعم» للقضاء على التستر التجاري .. «لا» لمكافأته

|

لا يُعلَم علامَ استند صاحب المقترح المقدم في إحدى ورش العمل التي عقدتها الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة "منشآت"، الذي تضمن "الاستفادة من المنشآت التجارية المتورطة في جريمة التستر التجاري"، مبررا اقتراحه المغلوط بأنه يستهدف المحافظة على الوظائف لدى تلك المنشآت! وقد أحسنت "منشآت" صنعا بإيضاحها عدم علاقتها بهذا الأمر، ونفيها تبني مثل هذا المقترح جملة وتفصيلا، وإزالتها فورا سوء الفهم الذي نشأ نتيجة نشره في إحدى الصحف المحلية.
أي وظائف تلك التي ولّدتها كيانات قامت على التستر التجاري؟ وأي قيمة مضافة تلك التي قدمتها للاقتصاد الوطني؟ وأي مساهمة من أي نوع كانت ذات قيمة أو منفعة قدمتها إلى أفراد المجتمع؟ في حين أن تلك الكيانات القائمة من قمة رأسها إلى أخمص قدميها على التستر التجاري، ألحقت أشد أنواع الإضرار بالاقتصاد والمجتمع على حد سواء، وكانت أشبه "بالأورام السرطانية" التي أكلت الأخضر واليابس، وتسببت في إحداث تشوهات بالغة الأضرار على مستوى مختلف أنشطة الاقتصاد الوطني، كان أولى ضحايا وجودها المنشآت الوطنية المنافسة، التي أفلس منها ما أفلس وخرجت من السوق المحلية، أو بقيت تكافح للبقاء في ظل الانعدام التام لفرص المنافسة، وفرضت واقعا من التشوهات والاختلالات، أخذ في الاتساع والتمدد طوال أكثر من ثلاثة عقود زمنية مضت، لم يعد في قدرة أي مطور وطني للأعمال أن يتعايش معه، بل وصل خطر الكيانات القائمة على التستر التجاري، إلى نهش الحصص السوقية محليا للمنشآت الوطنية العملاقة، التي ضُخَّت فيها مئات المليارات من استثمارات الحكومة والقطاع الخاص، وأصبح أغلبها مهددا أمام تعاظم "غول" التستر التجاري واتساع نشاطاته.
أي منطق معوج هذا الذي يزعم أن التستر التجاري فتح بيوتا، وأنفق بفتات أمواله على أسر وعائلات، وستر حالها عن الوقوع في الجوع والفقر؟ يلطمه المنطق المستقيم بالسؤال عن مصير آلاف الأسر والعائلات التي حرمت كضحايا من كسب عيشها، والتي يفوق أعدادها والأموال المفقودة - بكل تأكيد - "فتاتا" ما أنزل الله به من سلطان! لقد حصد المُتستَّر عليهم عشرات بل مئات المليارات من الريالات، مقابل فتات زهيد من الأموال فرح به المتواطئون المتسترون، كل ذلك جاء على حساب المستثمرين والتجار من المواطنين والمواطنات، الذين حرموا أعمالهم نتيجة لغياب المنافسة العادلة، وكيف لهم اقتناص تلك الفرص الاستثمارية المشروعة، وقد أصبحت بالكامل في حيازة الوافدين المُتستَّر عليهم؟! لقد غاب تماما عن أصحاب مثل هذه المقترحات المفلسة أننا كنا في مواجهة تشوهات لا قِبَل لأي اقتصاد أو مجتمع بها، تشوهات أوغلت بمخالبها الخطيرة في اقتصادنا ومجتمعنا طوال عقود زمنية مضت، دون وجود ما يردعها ويتصدى لها كما كان واجبا ولازما من سياسات وقرارات وإجراءات صارمة، وغاب عنهم أيضا أن النجاة من كل تلك التشوهات، لا تقل عن العمل على إعدام أي كيان تورط في التستر التجاري، والتخلص التام منه بعد تطبيق العقوبات والجزاءات المنصوص عليها نظاما.
يقوم الإصلاح الاقتصادي الشامل والحقيقي على اجتثاث أي أسباب كانت وراء نشوء الفساد والتشوهات والاختلالات من جذورها العميقة، التي بدورها ستنشئ بيئة محلية للأعمال والاستثمار خالية تماما من كل ما قد يعوق تأسيس المشروعات الوطنية اللازمة، أو يعوق نمو المشروعات الوطنية الأخرى القائمة، التي تمتلك القدرة الحقيقية على تعزيز الاستقرار الاقتصادي، وتنويع قاعدة الإنتاج المحلية، وتسهم أيضا فعليا في إيجاد الفرص الوظيفية الملائمة أمام المواطنين والمواطنات، بما يسهم في تحسين المستوى المعيشي للأفراد. في الوقت ذاته، لا يمت للإصلاح الاقتصادي بأي صلة كانت، الزعم أن إعادة ترميم ما بني على باطل، أنه سيأتي منه حتى واحد في المليون كحق أو فائدة تذكر، فما بُنِي على باطل فهو باطل من أوله إلى آخره.
كل هذا سيؤدي في نهاية طريقه إلى توطين فرص الاستثمار المحلية كما يجب، وفتح المجال أمام نموها وتوسعها، وإلى نشوء مزيد من مئات الآلاف ككيانات وطنية صغيرة ومتوسطة الحجم، تختلف تماما طبيعتها وملكيتها وطريقة إدارتها عن عديد من تلك الكيانات الراهنة الآيلة للسقوط أو قد سقطت، التي يستغرب جدا تهويل ووعيد عديد من المختصين من آثار سقوطها، في وقت لم ينتج عن وجودها وتوسعها سوى زيادة امتصاص خيرات بلادنا واقتصادنا، وزيادة توافد العمالة غير السعودية علينا بالملايين من البشر!
ويُستغرَب أيضا تفتق أذهان أصحاب مثل تلك المقترحات المهترئة عنوانا وموضوعا، عن أن فرص العمل التي ستتحول أو تنشأ لمصلحة مئات الآلاف من العاطلين المواطنين، لن تتجاوز مجرد وظائف حرفية "سباك، حلاق.. إلخ"، وهو ما يدين أصحاب تلك الآراء أكثر مما يخدم غاياتهم، حينما يتولون الدفاع عن "كيانات أعمال" أضر وجودها بالاقتصاد والمجتمع، وأن سقوطها يهدد الاستقرار الاقتصادي، ويضعف من نمو القطاع الخاص والاقتصاد، ويفاقم - حسب زعمهم - من معدلي التضخم والبطالة. إننا أمام تبريرات لا يمكن أن يستقيم لها حق بَيِّن، فعن أي كيانات هذه التي يُستمات في الدفاع عن توطين استثماراتها وفرص العمل فيها، ثم لا نجد منها إلا تلك المجالات والوظائف التي لا تسمن ولا تغني من جوع، حسب زعم أولئك المقاومين لإجراءات الإصلاح والتطوير؟!
ختاما، إن ولادة بيئة أعمال محلية حديثة تقوم على منح الحق الكامل للمواطن والمواطنة بالاستثمار والتوظيف، وتسهيل جميع الإجراءات والأدوات أمام تحقق هذا الهدف التنموي الاستراتيجي، وتسخير نتائجها الإيجابية في الاتجاه الذي يصب في مصلحة الاقتصاد الوطني والمجتمع، تؤكد الإصلاحات الاقتصادية الشاملة في الوقت الراهن أنه طريق بدأته الدولة - أيدها الله - ممثلة في أجهزتها التنفيذية المختلفة، ولن تتأخر لحظة واحدة عن المضي قدما فيه، فمن أراد اللحاق به - القرار العملي والواقعي- فالمجال متاح أمامه على أوسع أبوابه، ومن أراد غير ذلك فلا خاسر أكبر من متخذ ذلك القرار، وخسارته أولا وآخرا سيتم حسابها عليه وحده فقط! والله ولي التوفيق.

إنشرها