استراتيجية «اللطافة» الأوروبية .. تتصدع

|

"لا بد من التصدي لتوجهات إيران العدائية"
أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا

أخيرا، ظهر صوت أوروبي - وإن كان خافتا - يتحدث عن عدائية إيران بنظامها الإرهابي الطائفي الحاكم. بالطبع، هذا الصوت جاء متأخرا، غير أنه يشير إلى أن البلدان الأوروبية - ولا سيما الثلاثة الكبار: ألمانيا، فرنسا، بريطانيا - لم تعد تستطيع مواصلة استراتيجية "اللطافة" مع نظام تخريبي إرهابي، يمارس ما يمكن وصفه بسهولة "استراتيجية الدمار". كما أن الاتحاد الأوروبي - بوصفه منظومة كبرى - فشل بصورة فاضحة في الوقوف أمام التوجهات والقرارات الأمريكية الخاصة بإيران، خصوصا انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي "الأوبامي" الهش، مثلما فشل في تغيير مسار السياسة الأمريكية التجارية العالمية، أو على الأقل الوصول إلى تفاهمات بهذا الصدد. الذي يحدث الآن أن حلفاء الأمس، ظلوا حلفاء بالاسم، وهم يتجهون إلى ما يمكن تسميته "حلفاء الوهم".
أنجيلا ميركل، مستشارة ألمانيا، قالتها علنا: "ينتاب الدول الأوروبية القلق، بسبب برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، ووجود طهران في سورية، ودورها في حرب اليمن". طبعا، يمكننا القول فورا "صح النوم"، لكن لا بأس طالما أن الاعتراف ببشاعة النظام الإيراني ظهر على الساحة الأوروبية. لكن الأمور لا تتوقف عند هذا الحد، فعلى الأوروبيين الذين يعترفون بقباحة نظام الملالي الإيراني، أن يتخذوا خطوات أكثر صرامة معه، أي عليهم التوقف عن الترويج للمقولة الأوروبية البلهاء "إن التشدد مع نظام علي خامنئي، سيقوي المتطرفين ويضرب المعتدلين". الأوروبيون يعرفون أنه لا يوجد معتدلون في الحكم الإيراني، ومن يظهر عليه "الاعتدال"، هو في الواقع بمنزلة "مسحوق" تجميل رديء لهذا النظام القبيح.
إذا أرادت المستشارة الألمانية التصدي حقا للتوجهات الإيرانية، فعليها أن تقوم مباشرة بالتعاون مع السلطات الأمريكية، التي تعمل لإطباق الكماشة على رقبة نظام علي خامنئي. وعليها وعلى شركائها في الاتحاد الأوروبي، أن يستيقظوا من حلم الصفقات التجارية والاستثمارية الضخمة مع طهران، وعليها أيضا ألا تترك مناسبة إلا وتتحدث فيها عن ظلم النظام ووحشيته مع مواطنيه أولا، وأن تشجع التغيير الضروري من أجل الشعب الإيراني قبل أي شيء، وتحميل نظام علي خامنئي مسؤولية الخراب في المنطقة، وفضح هذا النظام من جهة تمويله للإرهاب، ليس في المنطقة فحسب، بل في العالم، واتخاذ إجراءات صارمة معه فيما يرتبط بغسل الأموال، وتجارة المخدرات والأسلحة حتى الرق. وإن كان إعلان المواقف أمرا جيدا، إلا أنه يبقى بلا معنى إذا لم تكن هناك أدوات لتكريس هذه المواقف على الأرض.
الشركات الأوروبية كانت أسرع من حكوماتها في الهروب من إيران خوفا من الغضب الأمريكي، واتسمت الشركات الأخرى بالحكمة بعد تجميدها كل المخططات الاستثمارية التي وضعتها للعودة إلى إيران. هذه خطوة مهمة جدا على صعيد مواصلة تضييق الخناق على هذا النظام الإرهابي. المسؤولون الألمان "الشجعان" مقارنة بنظرائهم الفرنسيين أو البريطانيين، يتحدثون أيضا عن ضرورة إيجاد حلول للتصدي للتوجهات الإيرانية. والأمر في الواقع لا يحتاج إلى خبراء. اخنقوا نظام علي خامنئي اقتصاديا، وضيقوا عليه عسكريا، تصلوا إلى الحلول التي تنشدون. لا شيء آخر يمكن أن يحقق الهدف، لأن العقود الماضية أثبتت للمرة المليون، أن مثل هذا النظام لا يفهم في السياسة، ولا في العلاقات الطبيعية مع المجتمع الدولي. إنه لا يفهم إلا بالقوة الحقيقية.
مارك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، اختصر الأمر فعلا عندما قال: "إيران استنفدت كل ألاعيبها، ولم يعد أمامها سوى مواجهة الحسم. لقد لعبت على ذلك طويلا وكثيرا، وآخر ضحاياها كان أوباما، أوهمته أنها تعلمت الدرس". لنترك باراك أوباما جانبا، فلم يعد له أي أهمية على الساحة، المهم الآن العمل المشترك على صعيد الدول الكبرى جميعها، وتكثيف العقوبات الاقتصادية على طهران في كل المجالات. الأمر لا يتعلق فقط بالاستثمارات، بل يشمل أيضا وفي الدرجة الأولى، النظام المالي، هذا النظام استفادت إيران منه حتى في أوج تطبيق العقوبات عليها قبل الاتفاق النووي "الأوبامي"، عن طريق الاحتيال والدخول إليه عبر جهات ثانية وثالثة ورابعة، وعن طريق خلايا خامنئي النائمة في قلب العواصم الغربية.
من هنا، تكتسب مساعي الكونجرس الأمريكي أهمية كبيرة للغاية، باستهدافها حظر إيران من النظام المالي العالمي تماما، لأسباب لا تحصى، من بينها بالطبع استمرار النظام الإيراني في عمليات غسل الأموال، والدعم المالي للمنظمات الإرهابية المختلفة، ناهيك طبعا عن التدخلات العسكرية الإيرانية في هذا البلد أو ذاك، بل المساهمة المباشرة في تغييرات ديموغرافية دنيئة، كالتي تحدث في العراق وسورية، وتدمير ما تبقى من اليمن بدعم الحوثيين الإرهابيين الموالين لخامنئي ضد بلدهم. خطوة الكونجرس ستنهي إلى الأبد أي أمل بوصول الإيرانيين إلى التسهيلات المالية، كما أنها ستضيق كثيرا مساحات عمليات الاحتيال على النظام المالي. إنها خطوة عظيمة، ولا مجال هنا لـ "فذلكة" أوروبية جديدة، سرعان ما تتحول إلى نكتة.

إنشرها